السودان.. “خطف الفتيات” يثير الرعب في نهر النيل والشرطة تكشف المفاجأة
متابعة أشرف ماهر ضلع

أثارت شائعات اختفاء فتيات في ولاية نهر النيل بالسودان رعباً واسعاً، مما دفع الأسر إلى التجمهر أمام مراكز الشرطة. وبعد تحقيقات مكثفة، كشفت الشرطة أن حالات الاختفاء لم تكن اختطافات، بل اختفاء طوعي للفتيات. كما لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً في تضخيم المخاوف، وحذرت الخبراء من تأثير الشائعات السلبية على المجتمع.
في غضون أيام قليلة، قلبت شائعات عن اختفاء فتيات ولاية نهر النيل رأساً على عقب، لتغرق المجتمعات المحلية في ذعر غير مسبوق. ولاية نهر النيل شمال السودان لم تكف عن الغليان، والأخبار تنتشر بسرعة البرق عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ما دفع مئات الأسر إلى المطالبة بالتجمهر أمام مراكز الشرطة في محاولة لمعرفة الحقيقة.
وارتفعت حدة التوتر بعد حادثتي اختفاء لطالبتين في مدينة عطبرة، التي تبعد نحو 310 كيلومترات شمال الخرطوم، لتحوّل الشائعات، التي سرت كالنار في الهشيم، المدينة إلى بؤرة رعب يعيشه الجميع على مدار الساعة.
سحر وأموال وغرام
اختفاء الفتيات سرعان ما تحول إلى قضية الساعة، لتهتز المدينة على وقع الشائعات والتأويلات، التي ذهبت إلى أن بعضها ذو صلة بأشخاص يستخدمون السحر الأسود، بينما يستخدم آخرون المال، وآخرون يلجأون إلى قصص الحب والغرام لاستدراج الفتيات.
تلك التأويلات جعلت الظاهرة أكثر تعقيداً وضاعفت شعور الأسر بالقلق والذعر.
الشرطة السودانية تفك الطلاسم
وإزاء تلك التطورات الخطيرة والتداول الواسع لحادثتي الاختفاء، لم تجد الشرطة مفراً من تكثيف جهود البحث الميداني، لفك طلاسم تلك القضية الشائكة، بعد أن وجدت نفسها في عين العاصفة وأمام طوفان الشائعات الذي اجتاح المدينة كالوباء.
وبعد مجهود مضنٍ، أفلحت الشرطة في فك لغز اختفاء الفتيات المحير، لكن المفاجأة كانت مدوية، إذ توصلت التحقيقات وخلاصات النتائج الرسمية إلى عدم وجود حالة اختطاف واحدة بالولاية، وأن حالات الاختفاء تمت طوعاً دون إكراه، وبمحض إرادة الفتيات.
وفي بيان رسمي، مساء أمس الثلاثاء، سردت شرطة ولاية نهر النيل التفاصيل المثيرة، مؤكدة أن ما تم تداوله عن حالات اختطاف حظي بالاهتمام الكافي من رئاسة شرطة الولاية، وأنها استنفرت كافة إداراتها الأمنية بالتنسيق مع الجهات الأمنية الأخرى، وكثفت جهود البحث الميداني لكشف ملابسات الظاهرة المقلقة.
وأضافت في بيانها أن التحقيقات أثبتت عدم وجود أي حالات اختطاف، وأن الوقائع لا تعدو كونها حالات اختفاء بمحض الإرادة الشخصية للفتيات أنفسهن، وأن مراحل التحريات جميعها تمّت بإشراف النيابة المختصة.
وأوضحت الشرطة أن ما صدر من بلاغات الأسر جاء بدافع القلق والخوف على أبنائهم، إلا أن ذلك أسهم – دون قصد – في إحداث آثار اجتماعية سالبة نتيجة التسرع والاستعجال وعدم انتظار نتائج التحقيقات.
الابتعاد الطوعي وراء كثير من البلاغات
بدوره، أكد العميد المتقاعد عمر محمد عثمان، الخبير الأمني والجنائي، الذي خدم لسنوات طويلة في المباحث والتحقيقات الجنائية بالسودان، أن نسبة معتبرة من بلاغات الاختفاء اليومية تتعلق بحالات ابتعاد طوعي لأسباب نفسية أو اجتماعية أو دراسية، وغالباً ما تنتهي بعودة الشخص وإغلاق البلاغ دون أي أثر جنائي.
وأضاف عثمان في مقالة على حسابه الشخصي بموقع “فيسبوك” أن الاعتقاد بضرورة انتظار 24 ساعة قبل التحرك “عرف عملي وليس قاعدة قانونية”، وأن التقدير المهني هو الفيصل في سرعة التحرك أو التريث المحسوب بدقة.
ذكريات موجات مماثلة
في السياق نفسه، استعاد الفريق عابدين الطاهر، مدير المباحث الجنائية الأسبق، تعليقاً على مقال العميد عمر عثمان، ذكريات موجات مشابهة شهدها السودان سابقاً، خصوصاً قبيل مواسم الامتحانات، حيث كانت كثير من البلاغات، تنهار أمام التحقيقات، وتتحول لاحقاً إلى محاولات هروب من ضغوط دراسية أو أزمات أسرية.
وحذر الطاهر من أن “أخطر ما في هذه الحالات ليس البلاغ نفسه، بل الأثر النفسي والاجتماعي للشائعات على مجتمع يعيش تحت ضغط أمني ومعيشي خانق”.
تأثير وسائل التواصل الاجتماعي
وأوضحت الشرطة كذلك أن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دوراً كبيراً في تضخيم المخاوف، إذ ساهمت في نشر الأخبار المقلقة، ذات المصادر المجهولة بسرعة كبيرة، ما زاد من شعور المواطنين بالذعر، رغم أن معظم البلاغات كانت بدافع القلق المشروع.
فلسفة التعامل الأمني
وعن فلسفة التعامل مع هذه الملفات، قال العميد عثمان: “الشرطة خزنة أسرار المجتمع.. وصمتها أحياناً ليس غياباً للحقيقة، بل حماية للأسر وصوناً للكرامة”.
ويؤكد الفريق الطاهر أن هذا الملف يقدم درساً واضحاً: في فترات الاضطراب الوطني، قد تكفي إشاعة واحدة لإشعال الخوف، حتى في غياب أي جريمة، لتكشف هشاشة الثقة المجتمعية وسط ض
غوط اقتصادية وأمنية متلاحقة.



