صحف وتقارير

السودان على صفيح ساخن… ومصر في قلب المعادلة الإفريقية

بقلم: احمد شتيه  باحث فى الشأن الاستراتيجي والامن القومى 

 

تعيش السودان واحدة من أعقد مراحلها التاريخية منذ اندلاع الصراع بين الجيش وقوات الدعم السريع في عام 2023، حيث تحولت الأزمة إلى حرب طويلة أرهقت الشعب وأربكت حسابات دول الجوار.

وبينما تتشابك الخيوط الإقليمية والدولية في الداخل السوداني، تبقى مصر في قلب المشهد، مدفوعةً باعتبارات الأمن القومي والمياه والاستقرار الحدودي.

 

شهدت الأسابيع الأخيرة تصاعدًا في حدة المواجهات داخل عدة مدن، وسط محاولات متكررة لفرض هدنة إنسانية وتهيئة الأجواء لحوار وطني شامل.

 

ورغم المكاسب العسكرية المحدودة هنا وهناك، فإن الخسارة الأكبر تبقى إنسانية، إذ تجاوز عدد النازحين واللاجئين 14 مليون مواطن وفق تقديرات الأمم المتحدة، ما جعل السودان أكبر أزمة نزوح في العالم حاليًا.

كما تسعى بعض القوى الإقليمية لإيجاد تسوية سياسية، بينما تؤكد القاهرة في كل المحافل على دعمها لوحدة السودان وسلامة أراضيه، ورفضها لأي تدخل خارجي يهدد استقراره.

 

السودان بالنسبة لمصر ليس مجرد جار جغرافي، بل عمق استراتيجي وأحد مفاتيح الأمن القومي.

على المستوى المائي، يشترك البلدان في نهر النيل الذي يمثل شريان الحياة للمصريين، ما يجعل أي اضطراب في السودان مؤثرًا مباشرًا على الأمن المائي المصري.

وعلى الصعيد الأمني، تمتد حدود مشتركة بطول يفوق 1200 كيلومتر، ما يعني أن استقرار السودان هو خط الدفاع الأول عن جنوب مصر.

أما اقتصاديًا، فالسودان يُعد سوقًا واعدًا وفرصة استثمارية ضخمة في مجالات الزراعة والتجارة والطاقة، خصوصًا مع خطط إعادة الإعمار المنتظرة.

 

تتبنى مصر مقاربة متزنة في التعامل مع الأزمة، فهي لا تنحاز لطرف، بل تسعى للحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية ومنع انهيارها، إدراكًا منها أن تفكك السودان سيكون كارثة على الإقليم بأسره.

كما تعمل القاهرة على دعم الجهود الإنسانية، وتسهيل استقبال مئات الآلاف من اللاجئين السودانيين عبر الحدود الجنوبية، وهو موقف يعكس عمق العلاقات الأخوية والتاريخية بين الشعبين.

 

من وجهة نظري، على مصر أن تنتقل من مرحلة المتابعة إلى مرحلة المبادرة، من خلال:

إطلاق مبادرة مصرية – إفريقية شاملة للحوار بين الأطراف السودانية برعاية الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي.

دعم الاستقرار الاقتصادي السوداني عبر مشروعات مشتركة في الزراعة والطاقة والنقل.

تأمين الحدود الجنوبية وتكثيف التعاون الأمني لمواجهة خطر التهريب والإرهاب في مناطق النزاع.

إن مصر، بما تمتلكه من ثقل سياسي وعلاقات متوازنة، قادرة على لعب دور الوسيط الصادق الذي يوقف نزيف الدم ويعيد السودان إلى موقعه الطبيعي كدولة فاعلة ومستقرة في محيطها العربي والإفريقي.

 

يبقى السودان اختبارًا حقيقيًا لدبلوماسية القاهرة، بين واجبها القومي في حماية أمنها وحدودها، ومسؤوليتها الإنسانية تجاه شعب تربطها به روابط التاريخ والنيل والمصير.

فكل خطوة مصرية نحو استقرار السودان، هي في الوقت نفسه خطوة نحو استقرار مصر نفسها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock