
في توقيت بالغ الحساسية، جاءت زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى دول الخليج العربي، حاملةً رسائل مزدوجة تجمع بين الحسم في دعم الأشقاء، والسعي الجاد لاحتواء التصعيد العسكري في المنطقة على خلفية الهجمات الإيرانية الأخيرة.
تحمل الزيارة تأكيدًا واضحًا على ثوابت السياسة المصرية تجاه أمن الخليج، باعتباره جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي المصري.
فالعلاقات بين مصر ودول الخليج، وعلى رأسها السعودية والإمارات والكويت والبحرين ، لم تكن يومًا مجرد شراكات سياسية، بل روابط استراتيجية تعززها المصالح المشتركة والتحديات المتشابكة.
وتأتي هذه الجولة في ظل تصاعد التوترات مع إيران، ما يفرض ضرورة تنسيق المواقف العربية، وتأكيد أن أي تهديد لأمن الخليج هو تهديد مباشر لاستقرار المنطقة بأكملها.
التحرك المصري لا يقتصر على الدعم السياسي، بل يحمل أيضًا رسائل ردع واضحة بأن المنطقة لن تُترك فريسة للفوضى.
وفي الوقت ذاته، تحرص القاهرة على عدم الانجرار إلى مواجهات مفتوحة قد تدفع المنطقة إلى سيناريوهات أكثر تعقيدًا.
هذه المعادلة الصعبة بين الردع والتهدئة تعكس خبرة مصر الطويلة في إدارة الأزمات الإقليمية، حيث تسعى إلى الحفاظ على التوازن دون التفريط في الحقوق أو المصالح.
بالتوازي مع الدعم، تكثف مصر من تحركاتها الدبلوماسية لوقف التصعيد، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف.
فالقاهرة تدرك أن استمرار المواجهة لن ينعكس فقط على أمن المنطقة، بل سيمتد تأثيره إلى الاقتصاد العالمي، خاصة في ما يتعلق بأسواق الطاقة وخطوط الملاحة.
ومن هنا، تأتي أهمية الدور المصري كوسيط قادر على فتح قنوات الحوار، ومحاولة تقريب وجهات النظر، في وقت تتراجع فيه فرص الحلول السياسية.
تعكس زيارة السيسي أيضًا سعيًا لتوحيد الصف العربي في مواجهة التحديات الراهنة، وإرسال رسالة مفادها أن الدول العربية قادرة على الدفاع عن مصالحها بشكل جماعي، بعيدًا عن الاستقطابات الدولية.
هذا التماسك العربي يمثل عنصر قوة أساسي، ليس فقط في مواجهة التهديدات، بل أيضًا في فرض رؤية متوازنة للحلول السياسية.
لا يمكن قراءة الجولة الخليجية للرئيس السيسي بمعزل عن السياق الإقليمي المتفجر، فهي ليست مجرد زيارة بروتوكولية، بل تحرك استراتيجي يعكس إدراكًا عميقًا لحجم المخاطر التي تواجه المنطقة.
إن قوة الموقف المصري تكمن في قدرته على الجمع بين دعم الحلفاء والسعي للتهدئة، وهي معادلة نادرة في زمن الاستقطاب الحاد. وبينما تتصاعد نذر المواجهة، تظل القاهرة أحد أهم الأصوات الداعية للعقل، في محاولة لإنقاذ المنطقة من الانزلاق نحو صراع مفتوح لا رابح فيه.



