في هذا الوطن لا يأتي الأمان مصادفة بل يولد من رحم الخوف ويُسقى بدماء من قرروا أن يقفوا حين تراجع الآخرون.
في الخامس والعشرين من يناير، لم يكن رجال الشرطة يبحثون عن بطولة، كانوا فقط يؤدون واجبهم الأخير، وهم يعلمون أن الرصاصة لا تفرّق بين اسم ورتبة، وأن الشهادة قد تكون أقرب من النفس. ومع ذلك وقفوا، لأن خلفهم وطنًا لا يحتمل السقوط.
من الإسماعيلية حيث تعلّم التاريخ كيف ينحني احترامًا لصدورٍ عارية واجهت مدافع الاحتلال، إلى طرقات المدن والقرى وسيناء حيث ما زالت الأحذية الأمنية تترك آثارها على ترابٍ ساخن، ظل رجل الشرطة يخرج من بيته حاملًا روحه على كفه، مودعًا أهله بنظرة صامتة، كأنه يعرف أن الأمان الذي نعيشه قد يُدفع ثمنه باسمه هو.
هنا لا نكتب عن مؤسسة بل عن بشرٍ أحبّوا هذا الوطن أكثر مما أحبّوا أعمارهم.
لم يكن صباح الخامس والعشرين من يناير عام 1952 يومًا عاديًا في مدينة الإسماعيلية.
القوات البريطانية حاصرت مبنى محافظة الإسماعيلية وثكنات الشرطة، ووجهت إنذارًا واضحًا:
تسليم السلاح أو القصف.
كان ميزان القوة مختلًا، دبابات ومدافع في مواجهة بنادق خفيفة، لكن القرار المصري كان واحدًا: لن نسلم السلاح.
اندلعت معركة غير متكافئة استمرت ساعات، سقط خلالها نحو خمسين شهيدًا من رجال الشرطة، وأُصيب العشرات، وتحول المبنى إلى أنقاض، لكن الكرامة الوطنية بقيت واقفة.
لم تكن تلك المعركة مجرد اشتباك مسلح، بل لحظة وعي وطني فجّرت الغضب الشعبي ضد الاحتلال ومهّدت الطريق لثورة يوليو، لتصبح الإسماعيلية نقطة التحول التي اختارت فيها الشرطة موقعها النهائي في صف الوطن.
بعد ثورة يوليو 1952، دخلت الشرطة المصرية مرحلة إعادة بناء شاملة.
تحولت من جهاز يعمل تحت سلطة الاحتلال، إلى مؤسسة وطنية تحمي مشروع الدولة الجديدة خلال تلك السنوات، لعبت الشرطة دورًا محوريًا في
تثبيت الأمن الداخلي في مرحلة انتقالية دقيقة
مواجهة محاولات الفوضى والتمرد
دعم الجبهة الداخلية أثناء العدوان الثلاثي عام 1956
وعقب نكسة 1967، لم يكن التحدي عسكريًا فقط، بل مجتمعيًا أيضًا.
وهنا تولّت الشرطة حماية المنشآت الحيوية منع الانهيار الأمني
الحفاظ على تماسك المجتمع رغم مرارة الهزيمة
الشرطة في زمن الاستنزاف ونصر أكتوبر (1968 – 1973)
في سنوات حرب الاستنزاف، كانت الشرطة حارس الداخل.
واجهت محاولات التخريب، وحاربت الجواسيس، وأمّنت المدن، في وقت كانت فيه البلاد تستعد لمعركة التحرير.
وخلال حرب أكتوبر 1973، لعب الاستقرار الداخلي دورًا حاسمًا في تحقيق النصر.
نجحت الشرطة في تأمين الجبهة الداخلية بالكامل، لتخوض معركة صامتة لا تقل شرفًا عن المعركة على خط النار.
الثمانينيات والتسعينيات حين وقفت الشرطة في وجه الإرهاب
دخلت الشرطة المصرية واحدة من أخطر مراحلها مع تصاعد الإرهاب المسلح.
اغتيالات تفجيرات استهداف للسياحة والمواطنين ومؤسسات الدولة، خاصة في صعيد مصر.
دفعت الشرطة ثمنًا باهظًا، وقدّمت مئات الشهداء لكنها نجحت بعد سنوات من المواجهة القاسية في
تفكيك التنظيمات الإرهابية
استعادة السيطرة الأمنية
حماية الدولة من سيناريو الفوضى الشاملة
كانت تلك المرحلة دليلًا قاطعًا على أن الشرطة ليست جهاز ضبط فقط، بل صمام أمان المجتمع.
2011 لحظة انهيار واختبار قاسٍ
شهد عام 2011 انهيارًا أمنيًا غير مسبوق غابت الشرطة فحضرت الفوضى ودفع الوطن ثمنًا فادحًا لفراغ الدولة. كانت تلك التجربة درسًا قاسيًا أعقبه مسار شاق لإعادة بناء الثقة مع المجتمع تطوير العقيدة الأمنية تحديث التدريب والتسليح
تصحيح أخطاء الماضي
من 2013 حتى الآن معركة البقاء وحماية الدولة
منذ عام 2013 تخوض الشرطة المصرية معركة مفتوحة ضد الإرهاب الحديث خاصة في سيناء والدلتا والقاهرة الكبرى نفذت الأجهزة الأمنية مئات العمليات الاستباقية وأسقطت أخطر الخلايا، وقدّمت شهداء من خيرة أبنائها في مواجهة لم تكن أقل ضراوة من الحروب النظامية.
وبالتوازي شهدت الشرطة تطورًا تكنولوجيًا واسعًا تحديث منظومة العمل الجنائي توسعًا في مفهوم الشرطة المجتمعية
الشرطة اليوم أمن وتنمية ومسؤولية
لم يعد دور الشرطة مقتصرًا على مكافحة الجريمة، بل امتد ليشمل: حماية المشروعات القومية تأمين الاقتصاد والاستثمار المشاركة في المبادرات المجتمعية تطوير الخدمات المقدمة للمواطن وسط عالم مضطرب وتحديات معقدة، تظل الشرطة المصرية إحدى ركائز بقاء الدولة عيد الشرطة ليس احتفالًا عابرًا بل اعتراف متجدد بفضل من دفعوا ثمن الأمان من أرواحهم من الإسماعيلية عام 1952 إلى شوارع مصر وسيناء اليوم، لم يتغير جوهر الرسالة أن يقف رجل الشرطة في الصف الأول، ليبقى الوطن في الصف الأخير من السقوط مصر لم تكن لتبقى واقفة، لولا أن هناك من اختاروا أن يسقطوا وهم واقفون.