صحف وتقارير

الشرق بين حافة الحرب ولعبة الردع الكبرى

بقلم/ أيمن بحر 

 

 

فى كل مرة تتكدس فيها القطع العسكرية فى مياه الخليج يعود شبح المواجهة ليخيّم على المنطقة ويغذى خطابا مشحونا يتحدث عن نهاية وشيكة وصدام شامل بين واشنطن وطهران غير أن قراءة المشهد بعيدا عن لغة المبالغة تكشف أن ما يجرى هو جزء من لعبة ردع معقدة تتداخل فيها الرسائل العسكرية مع الحسابات السياسية والاقتصادية

تعزيز الوجود البحري الأميركي فى الخليج ليس حدثا عابرا لكنه أيضا ليس إعلانا حتميا عن حرب وشيكة فالاستراتيجية الأميركية تاريخيا تقوم على مزيج من الضغط العسكرى والتفاوض السياسى بهدف إعادة ضبط السلوك الإيرانى لا بالضرورة إسقاط الدولة أو تدميرها بالكامل هذا النهج تعزز فى مراحل سابقة من التوتر منذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووى فى عهد الرئيس الأميركى دونالد ترامب حين تحولت العلاقة إلى مسار من العقوبات القصوى والردود غير المباشرة

فى المقابل طورت إيران قدراتها الصاروخية ومنظوماتها الدفاعية مثل باور 373 كجزء من استراتيجية الردع غير المتكافئ وهى تدرك أن مواجهة مباشرة مع قوة عسكرية بحجم الولايات المتحدة قد تكون مكلفة للغاية لذلك تعتمد طهران على شبكة نفوذ إقليمى تمتد عبر حلفاء فى أكثر من ساحة لتوسيع دائرة الردع ومنع أى ضربة خاطفة من أن تبقى بلا ثمن

الحديث عن أكثر من مئة وخمسين مقاتلة متطورة فى مسرح عمليات ضيق يعكس استعدادا عسكريا عاليا لكنه فى منطق الصراعات الكبرى يستخدم أيضا كأداة ضغط نفسى ورسالة ردع موجهة للداخل والخارج على حد سواء فالحشود العسكرية غالبا ما تكون جزءا من تكتيك تفاوضى يهدف إلى تحسين شروط الجلوس إلى الطاولة وليس بالضرورة قلبها

أما على المستوى الدولي فإن مواقف قوى كبرى مثل الصين وروسيا تحكمها حسابات مصالح باردة تتعلق بالطاقة والتجارة وتوازنات القوة العالمية لا بالعواطف أو التحالفات الأيديولوجية فكل طرف يسعى إلى تجنب انفجار شامل قد يهدد الاقتصاد العالمى ويخلخل أسواق الطاقة ويجر المنطقة إلى فوضى مفتوحة

المنطقة تقف بالفعل على حافة توتر مرتفع لكن التاريخ الحديث يثبت أن خطوط النار غالبا ما تتوقف عند حدود الردع المتبادل فالكلفة السياسية والاقتصادية لحرب واسعة النطاق ستكون هائلة على الجميع بما فى ذلك واشنطن وطهران وحلفاؤهما

الشرق الأوسط ليس قدرا محتوما للحروب كما يصوره البعض بل ساحة صراع إرادات ومصالح تتغير موازينها مع كل جولة ضغط وتصعيد والسؤال الحقيقى ليس متى تنفجر الحرب بل هل يدرك اللاعبون الكبار أن إدارة التوتر أقل كلفة من إشعاله وأن السماء التي يهددون بالسيطرة عليها قد تمطر خسائر على الجميع إذا انفتح باب المواجهة بلا حساب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock