
جاء في فتاوي الصيام أن فى الصوم قمع للشيطان وسد لمسالكه، وتضييق لمجاريه، ولذا فالمرء حين تورث شهواته الكامنة ويخشى من المحذور فعليه أن يهرع للصوم والشيطان ذا كيد ضعيف وأنت تقدر على التغلب عليه، ورمضان أراك أنك قادر، وكل هذه الحكم وأضاعفها كثير مع ما يقرره أهل الطب من فائدته الطبية حتى غدت مراكز الصحة الغربية تعالج بعض المرضى بالصيام وكلامهم في هذا كثير لكنه لا يعنينا كثيرا لأن المسلم على يقين أن الأمر يأمر به الله فيه النفع والخير، وكما جاء في أحكام سنة الإعتكاف أن هناك أهداف خاصة ينبغي أن تكون في ذهن المعتكف، حاضرة من أول رمضان بل قبل ذلك إن تيسر، ومن ذلك أن يحدد الإنسان ذنوبا يعاني منها ومبتلى بها ليتضرع إلى الله في طلب التخلص منها، وليضع خطوات عملية في تركها.
وكذلك أي يكون للإنسان هدف في المراجعة أو الحفظ أو انجاز عمل معين على أن لا يصرف ذلك عن المقصود الأسمى من الاعتكاف وهو التفرغ والخلوة والتضرع والانكسار بين يدي الله عز وجل، ولا تدخل الاعتكاف وتخرج منه ولم يتغير عندك شيء فإن كنت كذلك فهذا هو الخسران المبين إذ لابد من زيادة في الإيمان وإخبات وحسن خلق وتوبة وإنابة، وكل ساعة من ساعات اليوم بل كل دقيقة محسوبة لك أو عليك وذاهبة فإما في خير تملأها فيه وإما سبهللا، واهتم بنظر الخالق إليك ولا تهتم أبدا بنظر الخلق إليك فلو نظرت إلى الخلق، وجعلتهم في حسبانك تعبت ولم تستطع إرضائهم أبدا، وإن جعلت نظرك خالصا للخلق سبحانه رضي الله عنك وأرضى عنك الناس، وكن مخبتا متخشعا متذللا، واهتم بنفسك بعبادتك وصلاتك فحسنها وأصلحها، بعيوبك فعالجها وانشغل بها عن عيوب الناس.
ولا تنشغل بعيوب الناس عن عيوبك، ولا تكثر النظر هنا وهناك في الغادي والرائح وتقول لو أن فلانا فعل كذا أو لو أن فلانا ترك كذا، بل حسبك نفسك وليسعك معتكفك وابك على خطيئتك إلا إذا رأيت مخالفة أو شيئا تريد التنبيه عليه أو كنت مربيا أو إماما فبادر، والضابط هو كل شيء يقربك من ربك فافعله، وكل خصلة من خصال الخير تقدر عليها ولا محذور فيها ينافي الاعتكاف فافعلها، وكما إن إحضارك للمساويك من البداية ليطبق الآخرون السنة في السواك عن طريقك خير عظيم، وكما أن جلبك للتمر لتفطر الصائمين فيه يوميا خير عظيم، وإيقاظك للآخرين وحرصك عليهم بما لا يشوش عليك وعليهم خير عظيم، وطرحك للفوائد العلمية أو الإيمانية في أثناء وجبات الطعام خير عظيم، وكما أن حرصك على الذكر آناء الليل وآناء النهار وفي كل وقت خير عظيم.
وكما أن كلمة تقولها لأحد إخوانك لا تطيل فيها وترفع فيها همته خير عظيم، فإننا نعيش فى هذا الوقت أياما كريمة فاضلة، وموسما عظيما شريفا مليئا بالخيرات، متعددة فيه العطايا والهبات، موسم ميّزه الله عز وجل على بقية الأيام والشهور، وفضّله بفضائل عديدة، وخصائص متنوعة، وإن من الواجب على من أكرمه الله عز وجل بإدراك هذا الشهر وبلوغه أن يغتنم خيراته، وأن يظفر ببركاته، وأن يجاهد نفسه مجاهدة تامة على أن ينال فيه الصفح والغفران والعتق من النيران، وأن يكون من عباد الله المتقين الذين تعتق رقابهم من النار في هذا الشهر الكريم المبارك، وينبغي على الصائم أن يتذكر قول النبى صلى الله عليه وسلم “الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن، ما اجتنبت الكبائر” فعليه أن يتقي الله تعالى.
وأن يجانب الكبائر وعظائم الذنوب، وأن يتوب من الذنوب كلها، صغيرها وكبيرها، ولتعلم أن تكفير رمضان للذنوب، وهكذا الصلوات الخمس، والجمعة، ونحو ذلك مما ورد في الأحاديث، إنما هو خاص بالصغائر، أما الكبائر فإنه لابد فيها من توبة نصوح، توبة صادقة، توبة نصوح من الذنب الذى اقترفته، والخطيئة التي إجترحتها.



