مقالات وآراء

الضربة في العاشر من رمضان.. تصعيد محسوب بين الذاكرة التاريخية وهندسة الردع في الشرق الأوسط

بقلم الجيوفيزيقي -محمد العربي نصار

في لحظات التحول الجيوسياسي الكبرى، لا تُقاس الأحداث العسكرية فقط بمدى الصواريخ أو دقة الضربات، بل تُقرأ ضمن سياق أوسع من التوقيت، والرمزية، وتسلسل السرديات الاستراتيجية. فالشرق الأوسط لم يعد مسرحًا لحروب تقليدية مفاجئة، بل لسلسلة من التصعيدات المحسوبة التي تُدار عبر رسائل سياسية وعسكرية وإعلامية متشابكة، حيث تتقدم “هندسة التوقيت” على “إعلان الحرب” في صياغة معادلات الردع الحديثة.

منذ اندلاع ما عُرف بحرب الـ12 يوم بين إيران وإسرائيل في يونيو 2025، دخل الإقليم مرحلة اشتباك مركّب اتسم بضربات نوعية قصيرة زمنًا وعالية التأثير، بدأت باستهدافات دقيقة داخل العمق الإيراني طالت بنى عسكرية وقدرات استراتيجية، أعقبها رد صاروخي ومسيرات، ثم تدخل دولي محدود أعاد ضبط ميزان الردع دون حسم جذري للصراع. تلك الحرب لم تُنهِ المواجهة، بل دشّنت مرحلة “الهدوء المتوتر”، حيث تتراجع العمليات المباشرة ظاهريًا بينما تستمر إعادة التموضع الاستراتيجي في الخلفية، وهو النمط الأكثر شيوعًا في صراعات القوى المعاصرة.

ومع تعثر المسارات التفاوضية وتصاعد لغة التهديد المتبادل خلال الأشهر اللاحقة، بدأت مؤشرات التصعيد التدريجي في الظهور عبر خطاب سياسي أكثر حدة، وتسريبات إعلامية متزامنة، وتحركات عسكرية محسوبة، في إطار ما يعرف في علم الاستراتيجية بمرحلة تهيئة مسرح العمليات. وفي هذا السياق، جاء قصف طهران في العاشر من رمضان 2026 ليشكّل نقطة مفصلية في مسار التوتر الإقليمي، حيث لم يُقرأ الحدث كضربة عسكرية فحسب، بل كرسالة ردع مركبة متعددة الأبعاد، تستهدف القدرات العسكرية من جهة، والإدراك النفسي والإعلامي من جهة أخرى.

وقد عكست التقارير المتداولة أن الضربات ركزت على بنى دفاعية ومنظومات ذات طابع استراتيجي، في إطار عمليات دقيقة تهدف إلى إعادة تشكيل معادلة الردع دون الانزلاق إلى مواجهة إقليمية شاملة. كما تزامنت الضربة مع حالة استنفار أمني واستعدادات دفاعية مقابلة، ما يعكس نمط “التصعيد المحدود عالي التأثير”، وهو الأسلوب الذي تلجأ إليه القوى الدولية عند إدارة صراعات معقدة في بيئات جيوسياسية حساسة.

اختيار توقيت الضربة في العاشر من رمضان لم يكن مجرد مصادفة زمنية عابرة، بل يحمل دلالة نفسية واستراتيجية عميقة في الوعي الجمعي العربي، إذ يرتبط هذا اليوم تاريخيًا بانتصار حرب أكتوبر 1973 الذي أعاد رسم ميزان الردع وكرّس مفهوم المفاجأة العسكرية المدروسة. إن استدعاء هذا التاريخ، في خضم تصعيد إقليمي حاد، يبعث برسائل رمزية متعددة المستويات، تتجاوز البعد العسكري إلى محاولة التأثير على الذاكرة التاريخية والوجدان الشعبي. فالتوقيت في الحروب الحديثة يُستخدم كسلاح إدراكي، يهدف إلى كسر المعنويات أو إعادة تشكيل الرواية النفسية للصراع، خاصة عندما يتقاطع مع مناسبات ذات حمولة تاريخية وسيادية راسخة مما يضفي على الحدث بعدًا رمزيا حساسا في السياق الإقليمي الحالي الراهن.

وتكمن خطورة الضربة الأخيرة ليس فقط في طبيعة أهدافها العسكرية، بل في سياقها الزمني والسياسي المتزامن مع احتقان إقليمي متصاعد، حيث تتحول العمليات المحدودة إلى أدوات لإرسال رسائل استراتيجية مشفرة دون إعلان حرب شاملة. فالحروب الحديثة تُدار وفق معادلة دقيقة: ضربات محسوبة، ردود متوقعة، وسقف تصعيد مضبوط يمنع الانفجار الكامل، وهو ما يفسر استمرار الصراع في نطاق الردع المتبادل بدلًا من الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.

وفي خضم هذا المشهد الإقليمي المشحون، برزت حادثة السيارة التي تحمل ملصق علم إسرائيل في كرداسة كواقعة محلية تضخّم صداها إعلاميًا بسبب التزامن مع التصعيد العسكري الإقليمي. فقد بدأت الحادثة بمشادة فردية أعقبها توتر شعبي نتيجة الرمزية السياسية للملصق، ثم محاولة هروب أدت إلى حادث تصادم وإصابات، قبل أن تنتهي بضبط السائق وبدء التحقيقات. وتشير المعطيات الأولية إلى أن الواقعة ذات طابع فردي وليست منظمة أو ذات بعد سياسي، إلا أن البيئة النفسية المشحونة إقليميًا ساهمت في تضخيم الحدث داخل المجال الإعلامي، في نموذج واضح لتأثير السياق الجيوسياسي على تفسير الوقائع المحلية.

إن الربط بين حرب الـ12 يوم، وقصف طهران في العاشر من رمضان، والتفاعل الإعلامي مع الحوادث الرمزية داخل المجتمعات، يكشف عن انتقال المنطقة إلى مرحلة “الصراعات المركبة”، حيث تتداخل العمليات العسكرية المحدودة مع الحرب النفسية والإعلامية وهندسة الإدراك العام. فلم تعد المواجهة تُدار فقط في ميادين القتال، بل في العقول والذاكرة الجماعية، عبر توقيتات مدروسة ورسائل سياسية مشفرة تعيد تشكيل الرواية الاستراتيجية للصراع.

الخاتمة
إن المشهد الإقليمي الراهن لا يعكس حربًا شاملة بقدر ما يعكس إعادة تشكيل دقيقة لميزان الردع في الشرق الأوسط، حيث تُستخدم الضربات المحدودة، والتوقيتات الرمزية، والسرديات الإعلامية كأدوات استراتيجية متكاملة. وبين تصعيد عسكري محسوب، ورسائل نفسية مدروسة، وأحداث محلية تتأثر بالسياق الإقليمي، تتبلور مرحلة جديدة من إدارة الصراع تقوم على “التصعيد الذكي” لا المواجهة الشاملة، وعلى هندسة الإدراك بقدر هندسة القوة، وهو ما يجعل قراءة الأحداث بوعي استراتيجي ضرورة ملحّة لفهم ما يجري بعيدًا عن التهويل أو التبسيط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock