
لم يكن العاشر من رمضان مجرد تاريخٍ في سجل الحروب، بل كان لحظة فاصلة أعادت تعريف الإرادة المصرية، وكتبت بدماء الجنود صفحةً من أنقى صفحات المجد الوطني.
ففي العاشر من رمضان عام 1393 هجريًا، الموافق السادس من أكتوبر 1973، لم يكن الجنود المصريون يخوضون معركة بالسلاح فقط، بل كانوا يخوضون معركة بالإيمان، بالصبر، وبعقيدة راسخة أن الأرض لا تُسترد إلا بالتضحية.
ومن رحم هذا النصر، وُلدت مدينة العاشر من رمضان، لتكون شاهدًا حيًا على أن المعارك لا تنتهي عند خطوط الجبهة، بل تبدأ بعدها معركة البناء والتنمية.
تحولت المدينة إلى رمزٍ للإرادة المصرية التي لا تعرف المستحيل، ومثالٍ على أن النصر العسكري يمكن أن يتحول إلى نصر اقتصادي وصناعي.
أصبحت المصانع التي تملأ أرضها امتدادًا طبيعيًا لمدافع عبرت القناة، وأصبح العمال فيها امتدادًا للجنود الذين عبروا نحو الكرامة.
لم يكن اختيار الاسم مجرد تخليدٍ لتاريخ، بل كان رسالة دائمة بأن هذا الوطن يستطيع أن يحوّل الألم إلى أمل، والهزيمة إلى انتصار، والصحراء إلى مستقبل.
صوت الأزهر في زمن الحرب: عبد الحليم محمود وضمير الأمة
في قلب تلك اللحظة التاريخية، لم يكن الأزهر الشريف بعيدًا عن المعركة، بل كان في مقدمتها، يقود معركة الوعي والروح.
وكان على رأس هذه المؤسسة العريقة الإمام الأكبر الشيخ عبد الحليم محمود، شيخ الأزهر الشريف، الذي لم يكن مجرد عالم دين، بل كان قائدًا روحيًا للأمة في واحدة من أصعب لحظاتها.
أدرك الشيخ عبد الحليم محمود أن الحروب لا تُحسم بالسلاح وحده، بل تُحسم بالإيمان.
فكانت كلماته وقودًا معنويًا للجنود، تبعث فيهم الطمأنينة، وتؤكد لهم أن الدفاع عن الأرض هو دفاع عن العقيدة، وأن التضحية من أجل الوطن هي أعلى درجات الشرف.
لم يكن دوره تقليديًا أو هامشيًا، بل كان الأزهر في عهده مؤسسة حية، تنبض بروح الوطن، وتتحرك في قلب الحدث.
أرسل العلماء إلى الجبهات، وامتلأت المساجد بالدعاء، وتحولت المنابر إلى منصات تعبئة روحية.
كان الأزهر يذكّر الجميع بأن النصر يبدأ من الداخل، من يقين الإنسان بعدالة قضيته.
كان الشيخ عبد الحليم محمود يؤمن أن معركة أكتوبر لم تكن مجرد حربٍ عسكرية، بل كانت معركة لاستعادة الكرامة، واستعادة الثقة، واستعادة الإيمان بقدرة المصري على تجاوز المستحيل.
حين التقت العقيدة بالإرادة
في العاشر من رمضان، التقت قوتان عظيمتان: قوة السلاح وقوة الإيمان. كان الجندي المصري صائمًا، لكنه لم يكن ضعيفًا، بل كان أقوى من أي وقت مضى. كان يقاتل بجسدٍ مرهق، لكن بروحٍ لا تُقهر.
هذا التلاقي بين العقيدة والعمل، بين الإيمان والفعل، كان أحد أهم أسرار النصر. لم تكن الحرب مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت ملحمة إنسانية وروحية، أثبتت أن الإنسان حين يؤمن بقضيته، يصبح قادرًا على تغيير مجرى التاريخ.
إرث لا ينتهي
اليوم، بعد عقودٍ من ذلك اليوم العظيم، لا يزال العاشر من رمضان حيًا في وجدان المصريين.
لا يزال اسم المدينة يذكّرهم بأن النصر ليس حدثًا عابرًا، بل مسؤولية مستمرة.
ولا يزال اسم الشيخ عبد الحليم محمود يذكّرهم بأن قوة الأمة ليست في سلاحها فقط، بل في علمائها، وفي مؤسساتها، وفي إيمانها.
لقد علّمنا العاشر من رمضان أن الأوطان لا تُبنى بالصدفة، بل تُبنى بالإرادة. وعلّمنا الشيخ عبد الحليم محمود أن الإيمان ليس انسحابًا من الواقع، بل هو أعظم قوة لتغييره.



