مقالات وآراء

العالم على رقعة الشطرنج… لعبة بلا مالك واحد

بقلم أشرف ماهر ضلع

 

 
في زمنٍ تتداخل فيه الخرائط كما تتداخل الخطط، يبدو العالم اليوم كرقعة شطرنجٍ شاسعة؛ مربعاتها قارات، وقطعها دول، وحركاتها قرارات تُتخذ في العلن تارة، وفي الغرف المغلقة تارةً أخرى. غير أن الفارق الجوهري بين هذه الرقعة وسواها، أن اللعبة هنا بلا لاعبٍ أوحد، ولا عقلٍ منفرد يُحرّك الجميع كما يشاء.
ففي المشهد الدولي الراهن، تتقاطع إرادات الولايات المتحدة والصين وروسيا، وتتداخل حساباتها مع طموحات قوى إقليمية مثل إيران وتركيا وإسرائيل، لتتشكل شبكة معقدة من المصالح والتحالفات، لا يمكن اختزالها في يدٍ واحدة تدير اللعبة من خلف الستار.
لقد ولّى زمن القطبية الأحادية الذي ظنّ فيه البعض أن القرار الدولي يمكن أن يُصاغ في عاصمة واحدة، وأن تُرسم خرائط العالم بقلمٍ واحد. فالعالم اليوم أكثر تشظّيًا، وأكثر تعقيدًا، وأشدّ مقاومة لفكرة السيطرة المطلقة. كل دولة، صغيرة كانت أو كبيرة، تملك جزءًا من القدرة على التأثير، حتى وإن بدا هذا الجزء ضئيلاً في ظاهر المشهد.
وفي هذه الرقعة الواسعة، لم تعد القوة العسكرية وحدها هي الملك الذي يحسم المعركة، بل دخلت إلى اللعبة أدوات جديدة: الاقتصاد، التكنولوجيا، الإعلام، وحتى الوعي الجمعي للشعوب. فربما تحرّك دولةٌ قطعةً عسكرية، بينما تردّ أخرى بحركةٍ اقتصادية، أو بضربةٍ إعلامية تُعيد تشكيل الإدراك قبل أن تُعيد تشكيل الواقع.
وإذا كان الشطرنج التقليدي يقوم على خططٍ واضحة ونهاياتٍ محسوبة، فإن شطرنج العالم الحديث لعبة مفتوحة على احتمالات لا تنتهي. قد تتبدل التحالفات بين ليلةٍ وضحاها، وقد يتحوّل الحليف إلى منافس، والمنافس إلى شريك، وفق معادلاتٍ تحكمها المصالح لا العواطف.
من هنا، تنشأ تلك الفكرة الشائعة عن “اليد الخفية” التي تُدير كل شيء. غير أن التأمل العميق يكشف أن ما يبدو تنسيقًا محكمًا ليس إلا توازنًا دقيقًا بين قوى متعددة، كلٌ منها يسعى إلى حماية مصالحه وتوسيع نفوذه. إنها لعبة معقدة، نعم، لكنها ليست مؤامرة مكتملة الأركان بقدر ما هي صراع مستمر بين إرادات متباينة.
وفي قلب هذه الرقعة، تقف الدول العربية أمام اختبارٍ حقيقي: هل تظل قطعًا تُحرّكها حسابات الآخرين، أم تتحول إلى لاعبٍ يملك رؤيته ويصنع حركته؟ فالعالم لا يرحم الفراغ، ومن لا يشارك في رسم المشهد، يجد نفسه مرسومًا فيه.
إن إدراك طبيعة هذه اللعبة هو الخطوة الأولى نحو التعامل معها بوعي. فليس المطلوب أن نبحث عن لاعبٍ خفي نعلّق عليه كل ما يجري، بل أن نفهم شبكة العلاقات التي تصنع الحدث، وأن نقرأ التحولات بعينٍ ناقدة لا تنخدع ببساطة التفسيرات السطحية.
هكذا يبدو العالم اليوم: رقعة شطرنجٍ لا تنتهي، تتحرك عليها قطع كثيرة، وتتصارع فيها إرادات متعددة، دون أن يمتلك أحدٌ اللعبة وحده.
وفي هذا المشهد المتغير، يبقى السؤال مفتوحًا:
من يتقن القراءة… ومن يجرؤ على الحركة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock