
في كل عام، تحمل ذكرى تحرير سيناء معاني تتجاوز حدود الاحتفال التاريخي، لتتحول إلى لحظة وعي وطني تعيد التأكيد على قدرة الدولة المصرية على حماية أرضها وصون سيادتها.
لكن احتفال هذا العام يأتي في سياق مختلف، حيث تتزامن المناسبة مع مشهد إقليمي شديد التعقيد، تتداخل فيه الصراعات المسلحة مع التوترات السياسية على مختلف الاتجاهات الاستراتيجية.
تحرير سيناء لم يكن مجرد استعادة أرض، بل كان تأسيسًا لمرحلة جديدة من بناء الدولة الحديثة، التي أدركت مبكرًا أن الحفاظ على السلام لا يقل أهمية عن خوض الحرب.
واليوم، وبعد عقود من هذا الإنجاز، تبدو مصر أكثر استعدادًا من أي وقت مضى لمواجهة التحديات، بفضل التطور الكبير الذي شهده الجيش المصري على كافة المستويات.
شهدت القوات المسلحة المصرية خلال السنوات الأخيرة طفرة نوعية، سواء في التسليح أو التدريب أو تنويع مصادر القوة.
هذا التطور لم يكن هدفه فقط تعزيز القدرة الدفاعية، بل خلق توازن استراتيجي يحمي الأمن القومي في بيئة إقليمية تتسم بعدم الاستقرار.
فالجيش المصري اليوم يمتلك قدرات متقدمة في مختلف الأفرع، من القوات الجوية والبحرية إلى الدفاع الجوي والقوات البرية، إضافة إلى منظومات تكنولوجية حديثة تعزز من كفاءته العملياتية.
والأهم من ذلك، أن هذه القوة تستند إلى عقيدة قتالية واضحة تقوم على حماية الحدود وعدم الاعتداء، وهو ما يمنحها مصداقية إقليمية ودولية.
اللافت أن احتفالات تحرير سيناء هذا العام تأتي في وقت تشهد فيه المنطقة صراعات متصاعدة، من الشرق إلى الغرب، ومن الشمال إلى الجنوب. حدود مصر الاستراتيجية أصبحت محاطة بملفات معقدة، تتطلب توازنًا دقيقًا بين الردع العسكري والتحرك السياسي.
في هذا السياق، لم تكتفِ مصر بتأمين جبهتها الداخلية، بل تحولت إلى لاعب رئيسي في إدارة الأزمات الإقليمية.
فالقاهرة لم تعد مجرد طرف مراقب، بل أصبحت منصة للحوار ومركزًا لصياغة الحلول، مستفيدة من ثقلها السياسي وتاريخها الدبلوماسي.
دبلوماسية الحلول لا الصراعات
نجحت مصر في ترسيخ نهج يعتمد على التهدئة واحتواء الأزمات، بدلًا من الانخراط في دوائر التصعيد ، هذا النهج جعلها شريكًا موثوقًا لدى مختلف الأطراف، سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي.
وتكمن قوة الدور المصري في قدرته على الجمع بين أدوات القوة الشاملة: جيش قوي يفرض الاحترام، ودبلوماسية نشطة تفتح قنوات الحوار، ورؤية سياسية تسعى إلى تحقيق الاستقرار طويل الأمد.
في ظل هذا المشهد، تحمل ذكرى تحرير سيناء رسالة واضحة: أن مصر التي انتصرت في معركة استعادة الأرض، قادرة اليوم على كسب معركة الحفاظ على الاستقرار في منطقة تموج بالتحديات.
فالاحتفال لم يعد مجرد استرجاع للماضي، بل تأكيد على الحاضر واستشراف للمستقبل، حيث تواصل الدولة المصرية بناء قوتها وتعزيز دورها كركيزة أساسية للأمن الإقليمي.
وفي النهاية، تبقى سيناء رمزًا للصمود والانتصار، وتبقى مصر نموذجًا لدولة تدرك أن القوة الحقيقية لا تكمن فقط في السلاح، بل في القدرة على تحقيق السلام وصناعته.



