
حين تقرأ عن الأوضاع في فنزويلا بعين الإعلام العالمي، تظهر كصورة معطوبة، محمّلة بالأحكام المسبقة والانطباعات المعلّبة، لتوزّع على الوعي الجمعي كما توزّع النشرات الدعائية في عصر الحروب. العالم يرى ما يراد له أن يراه، ويدير ظهره لما يجري فيما وراء الستار.
من باب العقل والحكمة، فإن الواقع مختلف إننا أمام مسرح عالمي لصراع على المعادن النادرة والنفط وأسرار القوى المعارضة. إسرائيل المحاصرة بأزمة اقتصادية ومالية خانقة، تنظر إلى هذه الموارد بوصفها طوق نجاة، والولايات المتحدة تتحرّك بوظيفتها المعهودة كذراع تنفيذية، فيما يُقدَّم نيكولاس مادورو للعالم على هيئة الصيد الضعيف والهدف السهل… ويا للمفارقة.
على شعب فنزويلا أن يبكي هذا القائد، السيد مادورو، وأن يكنّ له الاحترام البالغ.
نعم، يبكيه. فالرجل امتلك خيار اللعب تحت الطاولة، وخيار إبرام الصفقات خلف الستار، وخيار البقاء على كرسي الحكم مقابل بيع وطنه لإسرائيل وأمريكا. وهذا طريق الخونة، سلكه الحكّام في الخليج والعالم الثالث والمغرب العربي وأوروبا، الذين سلّموا اقتصاد بلادهم وثرواتها وأموال شعوبهم وظهروا بالمظهر المشرّف أمام رعاياهم.
مادورو اختار مسارا آخر.
اختار المواجهة. اختار السيادة. اختار أن يحمل ثقل الحصار والضغط والعزلة، كي تبقى ثروات فنزويلا في يد شعبها. هذا الاختيار وحده يكفي ليمنحه صفة القائد الأشمّ.
السيد مادورو قائد حقيقي يستحق الإشادة والتقدير. هذا الرجل عملة نادرة في هذا الزمن. نادر لأن كرامته تقدّمت على سلامته الشخصية، ولأن وطنه تقدّم على حريته. قبِل أن يساق مكبّلا، وقبل أن تلتقط له صور الإهانة أمام عدسات العالم، إختار أن يسقط كي لا تلتقط صور دماء شعبه في شوارع بلاده. قبِل أن تنكسر صورته العامة، وإختار أن يستسلم كي تبقى صورة شعبه حيّة.
لقد فضّل أن يقبض عليه، أن يقاد بالسلاسل، وأن يهان أمام شعبه وأمام كاميرات العالم كلّه، على أن يبيع شعبه أو يخون وطنه. فضّل أن يسجن، أن يجرّ من بلاده إلى أرض العدوّ مكبّلا، وأن يدخل أسوأ السجون، على أن يقدّم في مذلة وخيانة وانبطاح لأمريكا. فضّل أن يسحق نفسيا على أن يسحق شعبه عسكريا أو تتحوّل فنزويلا إلى ساحة قتل مفتوحة.
هاتوا لنا قائدا واحدا فعل ذلك.
يقول الأعراب والعالم إن ما جرى دليل ضعف، وأن فرقة دلتا الأمريكية قوية، وأن جيش السيد مادورو باعه. قراءة ساذجة، وغير عادلة ولا منصفة بحقه.
ما جرى كان قرارا. قرار رجل دولة يعرف خرائط المؤامرة، ويحسب كلفة كل رصاصة. رئيس كان قادرا على الهروب بطائرة خاصّة، كما فعل غيره وأكبر مثال على ذلك الحاكم العربي بشار الاسد. كان قادرا على أن يضع يده بأيديهم ويضمن الكرسي كما يفعل عملاء الخليج.
لكن لاء…لم يفعل. لقد خرج مادورو مكبّلا، ورأسه مرفوعا. خرج أسيرا، حرّا طليقا في قرارة نفسه كقائد. وفي تلك اللحظة تحديدا، شعر كل الحكّام الخونة في العالم بوخز الغيرة والحسد من موقفه المشرّف؛ لأن خيانتهم لأوطانهم وشعوبهم تبدو قبيحة حين تقف إلى جانب هذا القائد الوفيّ لشعبه.
كان الطريق السهل أمامه مفتوحا: انبطاح سياسي لإسرائيل وأمريكا، ابتسامات مصطنعة، وبيع لثروات البلاد. مادورو أغلق هذا الطريق، وسلك الدرب الوعر.
لقد أثبت أنه مخلص لوطنه، ولشعبه، ومستعد أن يفديهم بنفسه، ولذلك على الشعب الفنزويلي أن يبكي على السيد مادورو، فهو فعلا يحبّ بلاده.
هنا تعرّف أمريكا العالم، من حيث لا تقصد، على الفارق بين رجل الدولة الحقيقي وتاجر السلطة الخائن. وبالتالي، كلّ من يوالي أمريكا فهو خائن، والعكس صحيح، كل من يقف في وجه أطماعها هو قائد حقيقي، رجل شجاع ومخلص، كما هو السيد مادورو.
تحية عسكرية لك أيها البطل…. الفنزويلي.



