مقالات وآراء

اللحظات الأخيرة في الحرب… بين وهم الحسم العسكري وصراع الروايات

بقلم / ناصر السلاموني

في المراحل الأخيرة من الحروب، لا تُحسم المواجهات فقط عبر العمليات العسكرية، بل تمتد إلى ساحة موازية لا تقل تأثيرًا: ساحة المعلومات وصناعة الرواية. ومع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، تتداخل التصريحات السياسية مع التحركات العسكرية والتسريبات الإعلامية، في مشهد يعكس صراعًا متعدد الأبعاد يتجاوز حدود الميدان.
في هذا السياق، تداولت تقارير إعلامية غربية، من بينها شبكة سي إن إن، معلومات عن تحركات عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط، شملت نشر قوات إضافية قُدّر عددها بنحو ثلاثة آلاف جندي، بينهم عناصر من الفرقة 82 المحمولة جوًا، وهي إحدى وحدات التدخل السريع في الجيش الأمريكي، المعروفة بقدرتها على الانتشار خلال وقت قياسي في مناطق النزاع.
ورغم ما تتمتع به هذه الوحدة من خبرة قتالية، يرى خبراء عسكريون أن تصويرها كقوة قادرة على حسم حرب برية ضد دولة بحجم إيران يقترب من المبالغة الإعلامية، خاصة أن التجارب الحديثة – كما في العراق وأفغانستان – أثبتت أن الحروب البرية في بيئات معقدة لا تُحسم بقوات محدودة، بل تتحول غالبًا إلى صراعات طويلة ومكلفة.
ففي العراق، تحولت مدن مثل الفلوجة إلى ساحة استنزاف للقوات الأمريكية، بينما انتهى الوجود العسكري في أفغانستان عام 2021 بانسحاب كامل، رغم سنوات من التفوق العسكري والتكنولوجي، وهو ما وثقته تقارير رسمية أمريكية وتغطيات إعلامية دولية واسعة.
في المقابل، تشير تقارير إعلامية إلى أن إيران عززت مواقعها الدفاعية في مناطق استراتيجية، من بينها جزيرة خرج، التي تُعد مركزًا رئيسيًا لصادرات النفط، حيث تحدثت تقارير عن نشر أنظمة دفاع جوي وألغام بحرية، في إطار الاستعداد لأي تصعيد محتمل.
وبينما يُروَّج لسيناريو الحسم العسكري، تتحرك في الخلفية مسارات تفاوضية معقدة. فقد نقلت وسائل إعلام دولية عن مسؤولين إيرانيين أن الرد على المقترحات الأمريكية لم يكن إيجابيًا بشكل كامل، لكنه لا يزال قيد الدراسة، مع اشتراط وقف العمليات العسكرية وتقديم ضمانات حقيقية.
في المقابل، أدلى دونالد ترامب بتصريحات أشار فيها إلى إمكانية التوصل إلى ترتيبات تفاوضية تتضمن أبعادًا اقتصادية، من بينها ما يتعلق بقطاع النفط، وهو ما اعتبره محللون تحولًا في طبيعة التفاوض نحو مزيج من السياسة والمصالح الاقتصادية.
وتشير تقارير وتحليلات منشورة في مراكز أبحاث ووسائل إعلام دولية إلى أن واشنطن طرحت مجموعة شروط واسعة، تشمل تقليص القدرات الصاروخية الإيرانية، وتعزيز الرقابة الدولية، وضمان أمن الملاحة في الخليج، ووقف دعم الحلفاء الإقليميين.
في المقابل، تتمسك طهران بشروط أساسية، أبرزها وقف العمليات العسكرية، وتعويض الأضرار، وتقديم ضمانات بعدم تكرار التصعيد، والاعتراف بحقوقها السيادية.
هذا التباين يعكس أن المفاوضات لا تزال بعيدة عن نقطة التوافق، بل تمثل امتدادًا للصراع بوسائل سياسية.
وعلى الأرض، أفادت تقارير إخبارية بتصاعد وتيرة الهجمات واتساع نطاقها، مع استهداف منشآت حيوية وبنى تحتية، إلى جانب استخدام تكتيكات عسكرية جديدة، مثل الضربات المركبة وتشتيت الدفاعات الجوية، فضلًا عن التلويح بفتح جبهات إضافية في ممرات استراتيجية كـباب المندب، ما يهدد بتداعيات على أمن الطاقة العالمي.
وفي موازاة ذلك، انتشرت تقارير منسوبة إلى مصادر استخباراتية، تحدثت عن تحديات في تقدير القدرات العسكرية الإيرانية، غير أن هذه المعلومات لم تؤكدها بشكل رسمي مؤسسات أمريكية كبرى، ما يضعها في إطار الحرب النفسية وصراع الروايات.
وفي هذا السياق، أظهرت جلسات استماع داخل الكونغرس الأمريكي أن التقديرات الأمريكية تشير إلى أن أي مواجهة شاملة مع إيران ستكون معقدة ومكلفة، وأن تغيير النظام بالقوة ليس سيناريو سهل التحقيق، وهو ما يتقاطع مع تقديرات استراتيجية منشورة في مراكز أبحاث دولية.
أما فيما يتعلق بالهدن المؤقتة، فيؤكد محللون عسكريون أنها تُستخدم عادة لأغراض تكتيكية، مثل إعادة التموضع أو اختبار النوايا، ولا توجد مؤشرات موثقة على أنها تُستخدم كغطاء لتمهيد غزو بري واسع، خاصة أن مثل هذه العمليات تتطلب حشدًا عسكريًا ضخمًا يصعب إخفاؤه.
في ضوء ذلك، يتضح أن ما يجري ليس مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل صراع متعدد المستويات، تتداخل فيه القوة العسكرية مع الضغوط السياسية والحرب الإعلامية.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم أن الحروب الكبرى لا تُحسم بالقوة وحدها، بل بتوازنات معقدة تشمل الاقتصاد والسياسة والإرادة الشعبية. فحين تتراجع المدافع، تبقى الرواية هي العامل الحاسم في تحديد من انتصر… ومن خسر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock