دين ومجتمع

المؤمنون وأسباب فلاحهم ودخولهم الجنة

بقلم / محمـــد الدكـــروري

 

إعلموا يا عباد الله أن كثرة إخلاف الوعود من صفات المنافقين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان” فإن هذه الصفات الصالحة التي ذكرها الله تعالى في هذه الآيات الكريمات كانت للمؤمنين من أسباب فلاحهم ودخولهم الجنة، فلذلك ذكر الله تعالى الجزاء الطيب لأهلها عقبها فقال الله تعالى ” أولئك هم الوارثون، الذين يرثون الفردوس هما فيها خالدون” فذكر الله تعالى استحقاقهم للفردوس بلفظ الوراثة التي هي من أعظم أسباب استحقاق المال، وإن عباد الله الخائفين من ربهم عز وجل الذين عبروا إلى ضفة النعيم والتكريم بعد أن كفوا أنفسهم عن الهوى، وضبطوها بالصبر على إيثار الخيرات، ولم يغتروا بزخارف الدنيا، لهم ما وعدهم ربهم بقوله تعالي ” وأما من خاف مقام ربه ونهي النفس عن الهوي، فإن الجنة هي المأوي” وقوله سبحانه وتعالي.

 

” فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون” وإن الله سبحانه وتعالى ينفي عنهم أهوال القيامة وخوفها، لا خوف عليهم من الضلالة في الدنيا، ولا حزن من الشقاوة في الآخرة لأنهم ساروا في دنياهم على الصراط المستقيم، فأخبرهم ربهم بالأمن والأمان في يوم الخوف الرهيب، وإن الخوف من الله تعالي ليس هربا من الله سبحانه وتعالى أو إعراضا عنه بل هو إحساس بعظمته سبحانه وهيبته ورهبته، وجلاله فيزداد العبد في الطاعة والاعتصام بحبل الله عز وجل، وروى عطاء رضي الله عنه أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه ذكر ذات يوم وفكر في القيامة والموازين والجنة والنار وصفوف الملائكة وطي السماوات ونسف الجبال وتكوير الشمس واندثار النجوم، فقال رضي الله عنه ” وددت أني كنت خضرا من هذه الخضر، تأتي علي بهيمه فتأكلني وأني لم أخلق، فنزلت الآية الكريمة ” ولمن خاف مقام ربه جنتان ”

 

ولنا القدوة الحسنة في سيدنا رسول الله صلي الله عليه سلم سيد الخائفين من الله وهو محمد بن عبد لله صلى الله عليه وسلم الذي كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، وعلى ذلك مشى كبار الصحابة في خوفهم من الله تعالى، وكذلك من جاء بعدهم من السلف الصالح، فهذا منصور بن المعتمر كان كثير الخوف والوجل كثير البكاء من خشية الله، قال عنه زائدة بن قدامة إذا رأيته قلت هذا رجل أُصيب بمصيبة، ولقد قالت له أمه ما هذا الذي تصنع بنفسك تبكي عامة الليل، لا تكاد أن تسكت لعلك يا بني أصبت نفسا، أو قتلت قتيلا؟ فقال يا أمه، أنا أعلم بما صنعت نفسي، ولقد خلقنا الله عز وجل للعباده وأوجدنا من العدم لنعبده حق عبادته فقال تعالي “وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون” ولكن عبادته بالاخلاص فلا نشرك بعبادته احدا، وبين ايدينا حديث عن الرياء وعن الشرك بالله وانظر كيف تكون العاقيه لهؤلاء.

 

فعن أبو هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول “إن أول الناس يقضي يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتى به فعرفه نعمته فعرفها، قال فما عملت فيها ؟ قال قاتلت فيك حتى استشهدت، قال كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جريء، فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقى في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتى به فعرفه نعمه فعرفها، قال فما عملت فيها ؟ قال تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن، قال كذبت، ولكنك تعلمت العلم وعلمته وقرأت القرآن ليقال هو قارئ فقد قيل ثم أمر فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها ؟ قال ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك قال كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار ” رواه مسلم.

 

ومعنى الحديث هنا انه أول من يقضي عليه يوم القيامة وهم ثلاثة أصناف من الناس وهم متعلم ومقاتل ومتصدق، فالمتعلم تعلم العلم وعلم القرآن وعلم ثم إن الله سبحانه وتعالى أتي به إليه سبحانه وتعالى يوم القيامة فعرفه الله نعمته فعرفها وأقر واعترف فسأله ماذا صنعت يعني في شكر هذه النعمة، فقال تعلمت العلم وقرأت القرآن فيك فقال الله له كذبت، ولكن تعلمت ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال قارئ ليس لله بل لأجل الرياء، ثم أمر به فسحب على وجهه في النار، وهذا دليل على أنه يجب على طالب العلم في طلب العلم، أن يخلص نيته لله عز وجل وألا يبالي أقال الناس أنه عالم أو شيخ أو أستاذ أو مجتهد، أو ما أشبه ذلك لا يهمه هذا الأمر، لا يهمه إلا رضا الله عز وجل حفظ الشريعة وتعليمها ورفع الجهل عن نفسه ورفع الجهل عن عباد الله حتى يكتب من الشهداء الذين مرتبتهم بعد مرتبة الصديقين، ويقول الله عز وجل.

 

“ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين” وأما من تعلم لغير ذلك، ليقال إنه ويوبخ عالم وإنه مجتهد وإنه علامة وما أشبه لك من الألقاب فهذا عمله حابط والعياذ بالله، وهو أول من يقضى عليه ويسحب على وجهه في النار ويكذب يوم القيامة أما الثاني فهو رجل مقاتل، قاتل في سبيل الله وقتل، فلما كان يوم القيامة أتي به إلى الله عز وجل فعرفه نعمه عليه فعرفها، يعني النعم أنه سبحانه وتعالى مده وأعده ورزقه وقواه حتى وصل إلى هذه المرتبة، إلى أن قاتل، ثم سئل ماذا صنعت فيها ؟ فيها قال يا رب قاتلت فيك، فيقال كذبت، قاتلت من أجل أن يقال فلان شجاع جرئ وقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه في النار والعياذ بالله وهكذا أيضا وأما عن المقاتل في سبيل الله، فإن المقاتلين في سبيل الله لهم نوايا متعددة فمنهم من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله.

 

كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ومن قاتل وطنية ففي سبيل الطاغوت، ومن قاتل حمية على قومية فهو في سبيل الطاغوت، ومن قاتل لينال دنيا فهو في سبيل الطاغوت، لأن الله عز وجل يقول “الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت” لكن لو قاتل الإنسان قومية أو وطنية، لا من أجل القومية ولا الوطنية، ولكن من أجل حماية وطنه المسلم أن يعتدي عليه الكفار فهذا في سبيل الله، لأن حماية بلاد المسلمين ثمرتها، أن تكون كلمة الله هي العليا، وكذلك حماية المسلمين ثمرتها أن تكون كلمة الله هي العليا ولكن لو أن الإنسان قاتل ليقتل فقط في هذا القتال، هل يكون في سبيل الله ؟ فإن الجواب هو لا، وهذا نية كثير من الشباب يذهبون لأجل أن يقتلوا ويقولوا نحن نقتل شهداء، فيقال لا، أنتم اذهبوا لتقاتلوا لتكون كلمة الله هي العليا ولو بقيتم، لا تذهبون لأجل أن تقتلوا لكن لأجل أن تكون كلمة الله هي العليا وحينئذ إن قتلتم في هذا السبيل فأنتم في سبيل الله تعالي.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock