في أحد الأيام لفت انتباهي سائق سيارة توقّف فجأة في منتصف الطريق.
لم يندفع للأمام كما يفعل أغلب الناس، بل وضع السيارة على المارشيدير وبدأ يرجع بحذر شديد، يراقب الطريق من حوله ويحسب كل حركة بدقة، تحت ضغط زحام خانق وأبواق لا تهدأ.
كان واضحًا أنه يدفع ثمن قراره في تلك اللحظة، فقد بدا متوترًا في حركاته، مركزًا بشكل مضاعف، وملامحه تعكس ضيق السائقين حوله، وكأن الجميع يطالبه أن يمضي للأمام مهما كان الطريق خاطئًا ومع ذلك استمر في الرجوع خطوة خطوة، غير مهتم بالضيق أو الاستعجال.
نعم، ضيّع بعض الوقت، وتحمّل قدرًا كبيرًا من الجهد والضغط النفسي، لكن ما إن عدّل مساره، حتى انطلق بعدها بثبات في الاتجاه الصحيح، بلا ارتباك ولا معاناة.
في تلك اللحظة أدركت أن ما فعله هذا السائق لا يخص الطريق فقط، بل يشبه حياتنا تمامًا.
كم مرة اندفعنا للأمام ونحن نعلم أن الاتجاه خاطئ؟ وكم مرة فضّلنا الاستمرار خوفًا من التوقف أو الاعتراف بالخطأ رغم أن التعب يزداد مع كل خطوة؟
الرجوع للخلف ليس ضعفًا، بل وعي وحكمة. السائق الحكيم فهم أن التقدم في اتجاه خاطئ سيكلفه وقتًا وجهدًا أكبر، وربما حوادث لا داعي لها، فاختار أن يتراجع قليلًا ليصحح مساره بدل أن يُكمل الطريق بثمن أكبر.
في حياتنا، نحتاج أحيانًا أن نضع المارشيدير في اختياراتنا، سواء في عمل يستنزفنا ولا يقدّرنا، أو في ارتباط نُرهق فيه أكثر مما نرتاح، أو في حلم لم يعد يناسبنا.
الرجوع هنا ليس تراجعًا عن الحياة، بل عودة إلى الذات وتصحيح للاتجاه نحو الطريق الذي نستحقه.
نخاف من التراجع لأننا نخلط بين الرجوع والخسارة، ونحسب ما أنفقناه من وقت وجهد.
لكن الحقيقة أن أكبر خسارة هي أن نستمر في طريق نعلم أنه يؤذينا.
الوقت الذي ضيعناه في الرجوع هو في الحقيقة وقت أنقذنا فيه بقية أعمارنا.
القوة ليست في الإصرار فقط، بل في الحكمة والوعي. السائق الحكيم لا يقيس نجاحه بعدد الأمتار التي قطعها، بل بسلامة وصوله والإنسان كذلك لا يُقاس نجاحه بسرعة تقدّمه، بل بصحة الاتجاه الذي يسير فيه.
حتى في تاريخ الحروب، لم تُكتب الانتصارات دائمًا على جبهات التقدم.
كثيرًا ما وُلد النصر من رحم التراجع قادة عظام فهموا أن الثبات في موقع خاطئ هلاك، وأن الانسحاب المؤقت قد يكون أذكى أشكال الهجوم. تراجعوا ليحموا جنودهم، ليعيدوا ترتيب الصفوف، ويختاروا أرض المعركة من جديد.
لم يهربوا من الحرب، بل أعادوا تعريفها. وحين عادوا، عادوا أقوى وأكثر تركيزًا واستعدادًا للنصر.
كما أن المارشيدير ليس للسير الطويل، لكنه ضروري لتعديل الطريق، فإن الرجوع في حياتنا ليس نهاية، بل بداية جديدة. لحظة تعب قصيرة قد توفر سنوات من المعاناة. فلا تخف أن تتوقف، ولا تخجل أن ترجع خطوة، فالأهم أن تصل للطريق الذي تستحقه.