
الحمد لله الذي خلق الإنسان وعلمه البيان وزينه بالعقل وشرفه بالإيمان، أحمده سبحانه تعالى وأشكره أدبنا بالقرآن، وزيننا بزينة الايمان وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أمرنا بالخير والإحسان، ونهانا عن الفسوق والعصيان، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، المبعوث بالحق وحسن البيان، صلى الله عليه ما تعاقب الجديدان، وتتابع النيران وسلم تسليما كثيرا، ثم أما بعد ذكرت المصادر الكثير عن البيئة ومقصد حفظ المال، ولكي نعرف صلة البيئة بحفظ المال لا بد من أن نعرف معنى المال لغة وإصطلاحا، أما المعنى اللغوي للمال فيطلق على كل ما تملكه الإنسان من الأشياء، وأما المعنى الإصطلاحي فقد إختلف الفقهاء في تعريف المال، على النحو الاتي وهو ذهب الإمام ابن عابدين إلى أن المراد بالمال هو ما يميل إليه الطبع، ويمكن إدخاره لوقت الحاجة.
والمالية تثبت بتمول الناس كافة أو بعضهم، وعرفه الشاطبي بأنه ما يقع عليه الملك، ويستبد به المالك عن غيره، إذا أخذه من وجهه، أما ابن العربي فقد عرفه بأنه ما تمتد إليه الأطماع، ويصلح عادة وشرعا للانتفاع به، وقال عبد الوهاب البغدادي هو ما يتمول في العادة، ويجوز أخذ العوض عنه، وقال الحنابلة المال شرعا ما يباح نفعه مطلقان أي في كل الأحوال، أو يباح إقتناؤه بلا حاجة، ومن التعريفات السابقة نستنتج أن المال يطلق على ما لع عوض، أو له قيمة مالية، وهو ما يصلح عادة وشرعا للانتفاع به، وما يقتنى بغرض التجارة أو الحاجة، ومن ذلك كله يطلق المال على كل شيء يحيط بالإنسان، ويسعى إلى إكتسابه، أو الإختصاص به، وعلى ذلك فالأرض مال والزرع مال والأنعام مال والمرعى مال والمسكن مال والثياب مال والمعادن مال.
ويقول ابن خلدون اعلم أن الكسب إنما يكون بالسعي في الإقتناء، والقصد إلى التحصيل، فلا بد في الرزق من سعي وعمل، ولو في تناوله وابتغائه من وجوهه، وقال الله تعالى ” فابتغوا عند الله الرزق ” والسعي إليه إنما يكون بأقدار الله تعالى وإلهامه، فالكل من عند الله، فلا بد من الأعمال الإنسانية في كل مكسوب ومتمول، لأنه إن كان عملا بنفسه مثل الصانع فظاهر، وإن كان مقتنى من الحيوان أو النبات أو المعدن، فلا بد فيه من العمل الإنساني، كما تراه، وإلا لم يحصل، ولم يقع به إنتفاع، ثم إن الله تعالى خلق الحجرين المعدنيين من الذهب والفضة قيمة لكل متمول، وهما الذخيرة والقنية لأهل العالم في الغالب، وإن إقتنى سواهما في بعض الأحيان، فإنما هو لقصد تحصيلها بما يقع في غيرها من حوالة الأسواق التي هما عنها بمعزل، فهما أصل المكاسب والقنية والذخيرة.
وإذا كنا قد عرفنا معنى المال، فلا بد من الإشارة إلى كيفية حفظ المال، فحفظ المال إنما يكون بطرق متعددة منها هو الزكاة والعلم أن إنماء المال أي زيادته يكون بزكاة المال، وهذه الزيادة قد تكون نابعة من الشيء نفسه، وقد تكون من الخارج، لكن هذه الزيادة، حتى تتحقق لا بد من سعي الإنسان إلى العمل، وإبتغاء الرزق ولذلك أباحت الشريعة أنواعا من العقود التي تهدف في النهاية إلى تنمية المال، بالتجارة أو الزراعة أو الصناعة أو غير ذلك حفاظا على المال لمصلحة كل من الفرد والجماعة، وأيضا منع السفهاء واليتامى من الحصول على أموالهم حتى لا يضيعوها، والحكم بالضمان على كل من إعتدى على مال غيره، إما بالإتيان بمثل ما أتلفه، أو بدفع قيمته، أنه إعطاء مثل الشيء، إن كان من المثليات، وقيمته إن كان من القيميات، وإذا كان المال بهذه الطريقة يراه.
إما بالإتيان بمثل ما أتلفه، أو بدفع ما هو لقصد تحصيلها بما يقع في غيرها، فإن المحافظة على المال تتطلب ما في البيئة من عناصر جامدة أو حية، وذلك بالمحافظة على أصلها والسعي إلى تنميته، وعدم تعريضها للهلاك أو الضياع أو إساءة استعمالها بما يعود بالأثر السيء على الفرد والمجتمع، وإن الموارد الطبيعية ينبغي أن تنال الرعاية القصوى من الإنسان لأنها ليست ملكا له وحده، وإنما هي ملك لسائر الأجيال، ولهذا كان من المقاصد الشرعية المحافظة على المال، الذي هو قوام لمعيشة الإنسان في هذه الدنيا، وأحد أمرين جعلهما الله تبارك وتعالى مجالا للزينة والتباهي والافتخار، فقال تعالي ” المال والبنون زينة الحياة الدنيا ”



