قد يبدو هذا العنوان أمرا مفروغا منه: المثقف ليس مطالبا أن يكون شجاعا بالضرورة.
المثقف كما هو مؤكد لدى أنطونيو غرامشي، إما ان يكون مثقفا تقليديا، مثقف سلطة، أو مؤسسة وإما أن يكون مثقفا عضويا.
والمثقف العضوي هو ذلك الذي يلتزم بقضايا الناس. المثقف العضوي هو ذلك الذي ينخرط في الصراع الايديولوجي والسياسي.
لكن، عندما يتعلق الامر بفهم وتوصيف ما نحن فيه كعرب، أجد ومن خلال منهج تجريبي، عبر هذه الصفحة، وعبر شبكات التواصل الاجتماعي، أنتبه الى حالة أكاد أقول أنها حالة نادرة؛
حالة المثقف الجبان، الذي هو في آخر الأمر مثقف انتهازي، المثقف الذي يبدو بألف وجه ووجه، يتلوّن، ينقلب على مواقفه، على قراراته، على علاقاته، على طروحاته.
هذا المثقف نجده في السلطة وفي حواشي السلطة، ومن سلطة الى سلطة.
نجده متموقع، وينتج “فقها” تتضارب مكوناته واقراراته واحكامه مع ما ورد في سياقات أخرى من نفس الشخص، نفس الشخص.
طبيعة البرجوازية الصغيرة، كما يقول ماركس، هي أنها مناهضة للبرجوازيه لكونها منحدرة طبقيا، وأنها ليست في موقع الملكية، وهي تُنكر وجودها المجاور للطبقات العاملة، وللطبقات الشعبية لكونها ذات طموحات بورجوازية في أصلها.
في آخر الامر، المثقف الذي لدينا نحن العرب، هو مسخ من هذا وذاك، هو جبن، على انتهازية، على غياب الأصل الجيني لفكرِهِ … متطاول حيناً، منبطح أحياناً.
وأصادف هذا الصنف في سياق النصوص والتدوينات التي أنشرها؛ من يتحمس ويبدي الدعم والتفاعل عندما يتعلق الأمر بطروحات و”سياقات سلمية”، (وانا اصلا أنبذ العنف بكل أشكاله) ولا يتبناه عندما يتعلق الأمر بالفكر…
أعتبر أن الفكر، قوته في حجته. لكن عندما يتغير السياق وعندما تهاجمني ميليشيات تلك التيارات الظلامية المنبعثة من القرون الوسطى، والتي تمتهن وتحترف الترهيب، والتي بقدر ما تطالب بالديمقراطية بقدر ما تنظم مواكب اللطميات على الديمقراطية والحرية، بقدر ما تمارس أبشع أشكال الترهيب وأبشع أشكال الترذيل لكل من خالفها الرأي.
هؤلاء ليس لهم قوه الحجة، ليس لديهم الا حجه العنف والترهيب والتكفير والاستثناء والسحل… هذه افكارهم.
وليس اشكالي مع هؤلاء فانا اعلم أنهم يتبعون الشخص، ولا تعنيهم الفكرة، أنهم يقدسون الأشخاص ولا يمتهنون تحليل الفكر ونقده.
هؤلاء أمرهم محسوم عندي، لكن إشكالي اليوم، مع ذلك الجمع من الثقفوت، الذي، بقدر ما يزايد بشعار الديمقراطية، وبقدر ما يبدي حماسه في علاقة بالشعار الديمقراطي والليبرالي، بقدر ما يجبُن ويختفي ويتوارى عن الأنظار، وأكاد أقول ينسحب الى جحره، متى هاجمت قطعان الظلاميين اي شخص دَوَّن أو خطَّ او حبر ما لا يرضيهم، أو ما لا يتفق وتلك الدغمائيات التي في أدمغتهم…
إشكالي مع هؤلاء، إشكالي مع الذين يبدون الدعم في أوضاع الانفراج، ويلوذون بالفرار كالجبناء، عندما تستعر المعارك الفكرية وتستعر المعارك السياسية…
هؤلاء هم أصل الأزمة، هؤلاء هم أصل الداء، لأن هؤلاء لا يؤتمَنُ لهم طرف.
هؤلاء لا يمكن أن نثق بهم، وهم من يعفّن الوضعَ، لأنهم يمثلون ذلك الرقم الزائف، ذلك الرقم الذي يوهم بالانتفاخ وهو مجرد فراغ وخواء.
د. ليلى الهمامي.