
“ليس في الشرع الحكيم ولا العرف القويم أنّ الإنسان إذا لقي أحدا صافحه وهو جالس ”
بهذه الكلمات بدأ الدكتور “صالح العصيمي العتيبي” وهو العالم والمفكّر الإسلامي وعضو هيئة كبار العلماء السعودي خطبتة أوحديثه تحت عنوان ” الأخطاء الواقعة فى السلام والمصافحة”
و نظرا لأهمية الموضوع كان لابدّ لنا من الوقوف عليه والتدخّل للإيضاح والإفهام نظرا لما نراه من تجاوزات فيهاضياع للقيم وخلطٌ للمفاهيم واتباع الأهواء،
فقد تشاهد رجلا أوشابّا مسلما أو حتى غير المسلم يذهب بكل ودّ وحب واحترام لمصافحة وتحيّة أحد الناس فيكسر خاطره بكل برود ويردّ عليه بمصافحته وهو جالس .. بل وينطق بكلمات غريبة ألا وهي ” أعزّ اللهُ من جلس ”
وإذا سُئل أو عوتب على ذلك التصرّف يذكر لك حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم في سنن أبي داوود والترمذي ” من أحبّ أن يمتثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار ”
فمن يتعرّض منّا لمثل ذلك الموقف سيصابُ بالإحراج والضيق والحُزن بل والنّدم على مبادرته بالمصافحة.
سوف يكره مصافحة أي رجل جالس بعد ذلك خوفا من تكرار ماحدث مع شخص آخر.
سوف يشعر بالخذلان وخيبة الأمل لأنّ مافعله من تحية يقصد بها الودّ والمحبة قد رُدّ عليه بالإهانة باسم الدين
فهل يأمرُ الإسلام بالإهانة وانحدار الأخلاق ؟
بداية أقول أنّ مصافحة الرجل للرجل أو المرأة للمرأة من العادات الجميلة والقديمة والتي أُذن بها شرعا ،
فقد قال صلى الله عليه وسلم:
“إن المسلم إذا صافح أخاه، تحاتت خطاياهما، كما يتحاتّ ورق الشجر” أي تساقطت
وفى رواية أخرى”ما مِن مُسْلِمَينِ يَلتَقِيانِ فيَتَصافحانِ، إلَّا غُفِرَ لهما قَبلَ أن يَفتَرِقا” (رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه الألباني)
وقد قال البراء بن عازب رضي الله عنه: “من تمام التحية أن تصافح أخاك” (صحيح الأدب المفرد)
إذا لنكن متفقين على أهمية المصافحة شرعا فبالرغم من أنّه صلى الله عليه وسلم كان لا يصافح عندالدخول على مجلس بل كان يلقي السلام ثم “يجلس حيث ينتهي به المجلس ”
لكنّه لم يمنع المصافحة ولم ينهَ عنها ولم ينهَ عن احترام المصافح واقفا بالقيام له لرد مصافحته ، لما في ذلك من تقوية أواصر المحبة وتعزيز الاحترام وإعلاء القيم والأعراف فما تعارف عليه الناس على كونه عادة من عادات تحيتهم وأقرّه الشرع فكل مافيه مستحب ومباح.
أمّا عن خلط المفاهيم في حديث معاوية في سنن أبي داوود والترمذي فالمقصود بقول النبي “يقوم الناس له تعظيما” فذلك عن عادات الأعاجم أنهم كان إذا مرّ بهم شرفاؤهم ووجهاؤهم وقفوا بين أيديهم لخدمتهم وتعظيمهم
أي لمجرد المرور أمامهم وليس للسلام أو المصافحة ولو كان يقصد المصافحة لقالها صلى الله عليه وسلم صريحة ” فليحب أن يقوم الناس له تعظيما عند السلام والمصافحة ”
وبما أنّ الأصل فى الإسلام المساواة وليس الانتقاص
فإنّ الأصل في المصافحة التساوي وليس الخذلان والانكسار؛
فلا يصافح الراكبُ الماشي دون أن ينزل له احتراما
ولا يصافحُ الجالسُ الواقفَ دون أن يقف له احتراما وجبرا لخاطره وتساويا له وأسوة به
أمّا عن الذي يجرح من يصافحه ولا يقف له دون عذر وهو يقول ” أعزّ الله من جلس ” وإن كنت لاأعرف للعبارة أي أساس من الصحّة
فأقول له ياأخي : هل أنت رجل ؟!
وإن كنت رجلا .. فهل تستطيع أن تفعل فعلتك في حضرة ذوي السلطان الذين نقف لهم إجلالا بل و دون مصافحة أحد منهم لك ؟!
وإن كنت رجلا ..فهل تستطع
أن تأمر أولادك بعدم الوقوف احتراماوإجلالا لأساتذتهم ومديرهم دون أن يصافحوا أولادك ؟!
“فلا أعزّك الله ياأخي ولا أعزّ من جلس ليكسر خاطر من احترمه، فما يفعل فعلتك إلا لئيم وماطوّع الدين لهواه إلّا منافق .
فالإسلام دين الاحترام وليس دين الخسّة والندالة وكسر خواطر الناس.
الإسلام دين العزّة وليس دين الانكسار والخذلان .
هو دين المساواة والتساوي وليس النقص والانتقاص .
دين يقول ” وإذا حييتم بتحيّة فحيوا بأحسن منها أو ردُّوها ”
وأخيرا أختم كلماتي بقول المصطفى صلى الله عليه وسلم ” لايؤمن أحدكم حتي يكون هواه تبعا لما جئت به ”
وخالص تحياتي لحضراتكم.



