مقالات وآراء

المنذرين والتناسخ عند البشر

بقلم د - حكيمة جعدوني

دراسة تحليلية

الزمن في حقيقته دائرة كبرى، تكوّر في صمت مهيب، وليس خطا مستقيما يسير إلى الأمام ثم يتلاشى. كلما ظنّ الإنسان أن الحكاية انتهت، اكتشف أنها تبدأ من جديد، ولكن بوجوه أخرى وأسماء أخرى.

منذ الخلق الأول، كانت قصة آدم افتتاح دورة كونية تتكرّر، وكانت حدثا ممتدا في الوجود. في كل أرض آدم كآدمكم، ونوح كنوحكم، وإبراهيم كإبراهيمكم، ويوسف كيوسفكم، ومحمد كمحمدكم. السلسلة الأولى تتجدّد في كل عصر، تتجلّى بروحها نفسها، وتلبس جسدا يناسب زمانها لأنها لم تغلق.
الأجساد تتبدّل، والملامح تختلف، والأصوات تتغيّر، لكن الروح تبقى.

الروح تستمر بعد فناء الجسد، وتواصل رحلتها؛ تمضي من جسد إلى جسد، ومن زمن إلى زمن، تحمل جوهرها الأول، وتعيد أداء دورها في مسرح يتغير شكله ويثبت معناه.

ولماذا لا نتذكر؟
لأن الذاكرة لو انكشفت، لاختلّ نظام العالم. يتصادم الزمن بالزمن، وتنهار الحدود بين الحيوات. لذلك يحجب الماضي خلف ستار من النسيان، فتستمر الدورة دون اضطراب.
ومع ذلك، تبقى شذرات تتسرّب. حنين غامض إلى أرض لم تزرها، ألفة مفاجئة مع شخص تلقاه لأوّل مرّة، شعور بأنكم تعرفون بعضكم منذ زمن بعيد. الأرواح التي تآلفت في البدء تعود فتلتقي. الأزواج الذين اجتمعوا أوّل مرّة، يجتمعون في كلّ مرّة. الروح تعرف روحها، مع جهل العقل التفاصيل.
كأن في داخل الإنسان ذاكرة أقدم من وعيه، برنامجا أزليا يحمله منذ البداية. ما فعله الأوّلون، يفعله الآخرون، لأن الروح التي جرّبت تعود لتجرّب من جديد.

وعند الموت، يحدث انتقال مباشر. في اللحظة التي تخرج فيها نفس من جسد، يولد جسد آخر يستقبل الروح ذاتها. الجسد يدفن، والرحلة تستمر. الحياة تتبدل صورتها، وتواصل مسارها في علم إلهيّ واسع.
الإنسان في لبس من خلق جديد.
تبدّلت الأجساد، وثبتت الأرواح في مجراها الأبدي. المشهد يعاد، والأدوار تتكرّر، والعدد هو العدد، لكن الستار يسدل على الذاكرة في كلّ مرّة ليبدأ العرض من جديد.

الزمن في الحقيقة يدور في حركة مستمرة. والذين عرفوا سرّ الدوران يدركون أنهم عبروا هذه الطرق من قبل، وعاشوا هذه الحياة من قبل، وأحبّوا، وخاصموا، وصبروا، وانتظروا… من قبل.

آدم ليس البداية، ولن يكون النهاية. الخلق حلقة في دائرة عظيمة، بدأت منذ آدم، وما زالت تدور.
يولد الإنسان، وفي اللحظة نفسها التي يفتح فيها صدره لأوّل نفس، تكون روح قد أغلقت باب جسد آخر في مكان ما من الأرض. خروج من هناك، ودخول هنا. حركة دقيقة متزامنة، كأن الكون يبدّل الأوعية في طرفة عين، بينما الجوهر يظل سائرا في خطه الأبدي. لا انتظار في دورة الوجود، ولا روح تبقى بلا مأوى.
الأجساد تتساقط كما تتساقط الأوراق في خريف متكرّر، والأرواح من المنذرين، خالدة في مسيرتها، لا تعرف الاندثار؛ عابرة من قلب إلى قلب، من اسم إلى اسم، حتى يبلغ الوجود موعده الأكبر يوم الحشر. الولادة والموت محطتان في سفر أطول من الزمن نفسه؛ فلا الولادة بداية الروح، ولا الموت نهايتها.
أما الذاكرة فهي أثر مرتبط بالجسد الذي يفنى ويوارى في التراب؛ ليست جزءا من الروح المتنقلة. حين يدفن الجسد، تدفن معه تفاصيل الحيوات السابقة، وتعلّق الذكريات على جدران العظم والعصب الذي تحلّل. تبقى الروح نقيّة من صورها الماضية، تبدأ كلّ مرّة بصفحة بيضاء، بينما أرشيفها القديم مغلق بإحكام.
غير أن الإغلاق ليس أبديا. هناك باب خفيّ في داخل الإنسان، مركز دقيق بين العقل والروح، هو الغدّة الصنوبرية، تلك اللؤلؤة الصغيرة المختبئة في أعماق الرأس. إذا استيقظت، وإذا قوّيت بروحانيات الكتاب ودين السماء، وبالذكر، وبالصفاء، وبالاتصال الصادق بالإله، فإنها تصبح كالمفتاح. عندها تتسلّل ومضات، حدس، إحساس قديم بأنك مررت من هنا من قبل، وأنك عرفت هذا الطريق، وأنك عشت هذه اللحظة. فالذاكرة لا تعاد كاملة دفعة واحدة.
وتمضي الأرواح في تنقّلها، من وعاء إلى وعاء، خالدة في جوهرها، صامتة في ذاكرتها، حتى يأتي اليوم الذي ترفع فيه الحجب، ويستردّ الوعي ما كان معلّقا، وتنكشف الرحلة كلّها دفعة واحدة، فيتبيّن للإنسان أنه روح تعبر الأجساد كما يعبر ضوء الشمس عبر النوافذ، باقية حتى موعد اللقاء الأخير، ولم يكن يوما مجرد جسد يولد ويموت.

سبعة أراضين في كل أرض نبيّ كنبيّكم، وآدم كآدمكم. التاريخ يتكرّر في طبقات خفية ولا يبدأ مرة واحدة. في كل دورة زمنية، تبعث السلسلة الأولى من جديد، بأسماء قد تتغيّر، لكن بجوهر واحد يتجدّد.
الأرواح التي سكنت أجسادا وفنيت تنتقل بعد الموت، وتواصل رحلتها، فتسكن جسدا آخر في زمن آخر، تحت اسم آخر. تتبدّل الملامح، والكينونة الداخلية ثابتة منذ البدء.
الأموات أرواح تتجلّى في عصور متعدّدة، وليسوا حكايات منتهية. الروح واحدة، والتجربة تصقلها كلّ مرّة، فتظهر بصورة تناسب زمنها. كلّ عصر يضيف إليها بعدا جديدا من الحكمة.
بينكم من يحمل روح عليّ، ومن تتوهّج فيه روح مريم، ومن تمشي في الدنيا بشجاعة آسيا، ومن يختزن صبر يوسف. هم موجودون في أقاليم الأرض، متفرّقون في أقصى البلاد، امتداد لسلسلة قديمة لم تنقطع.

الظالم هو ذاته الظالم، والصابر هو ذاته الصابر، والناصح هو ذاته الناصح. تتغيّر المسارح، وتتبدّل الأسماء، لكن الأدوار تعاد كما كتبت في البدء. الروح تؤدي الدور نفسه في كل دورة زمنية.

الأرواح التي تآلفت في البدء تعود فتلتقي. هو تزوجها هناك، وهي تزوجته هنا، تحت سماء أخرى، وفي مدين أخرى. الحبّ الأول يستعاد ولا يخلق من جديد. الروح تعرف أليفها وإن غابت الذاكرة.
ذلك الذي يشعر بانجذاب غريب لبلد لم يره، أو ثقافة لم يعشها، إنما يستجيب لنداء قديم في داخله. ذاكرة الروح تهمس، وإن صمت العقل. الشعور أثر حياة مضت، لا يعرفها الوعي لكنه يحمل صداها.
لو انكشفت الذاكرة القديمة لاختلّ نظام العالم. فرعون يطالب بعرش ملكه قبل مولده، أو امرأة تعود لتطالب بزوجها من حياة سابقة. لذلك يحجب الماضي خلف جدار من النسيان، لتستمر الدورة دون اضطراب.
الروح لا تموت، تتناسخ.
“أحياء عند ربّهم” حياة روح مستمرة، تتنقل بين الصور، وتواصل مسيرتها في علم إلهيّ لا ينقطع، وليست حياة جسد ثابت.
هذا الجيل هو جيل آدم، وجيل عاد وثمود، وأصحاب الأيكة، وقوم تبّع، لكن بأجساد جديدة. العدد هو العدد، والأرواح هي الأرواح، والمشهد يعاد عرضه في كلّ مرة، بينما تطفأ الذاكرة ليبدأ الخلق من جديد.

حين يخرج إنسان من جسده بالموت، تكون روحه قد وجدت منفذها إلى جسد ولد في اللحظة ذاتها. دورة دقيقة، متزامنة، لا تأخير فيها ولا انقطاع. كلّهم يولدون بنفس اللحظة من جديد؛ الجسد يدفن، أمّا الروح فتمضي، وليس كلّ من مات قد مات إلى الأبد.
الإنسان الأوّل اكتشف، وأحبّ، وخاصم، وبنى، وعبد، وتمرّد. والإنسان الأخير يفعل الشيء ذاته، لأن الروح ذاتها تعود لتكرّر أفعالها، لأن الزمن دائرة لا خطّ مستقيم.

في كل جيل يبعث محمد كما كان محمّدكم وصحابة كصحابته، وتعود الأرواح تحملها الأقدار بأسماء ووجوه جديدة، كأنّ العهد القديم يعيد نفسه بذات الخلق. تأمّل مئة سنة فقط من الخلق الأول؛ آدم وأبناؤه، ثم موت وولادة، وفناء واستخلاف. الأرواح ذاتها انتقلت إلى الجيل الثاني؛ تغيّر الجسد فحسب، بأشكال ووجوه وأشخاص مختلفين. أما الروح الكامنة فيهم فلم تتبدّل. وفي هذا الزمن ذاته، بينكم أرواح متوزّعة في أقاليم الأرض وفي أطرافها.
الأرواح نفسها تتكرّر في الأدوار، تمشي في أجساد جديدة لتكمل ما بدأته منذ الأزل. ولكن… وما يدريك لعلّ من بينكم الآن من يحمل سرّ النبوءة، ينتظر فقط أن تؤذن له الكلمة، وأن يكشف له الوقت.
إنّهم يخرجون بدعواتهم؛ في بيوتهم يدعون لله، وأثناء عملهم يدعون، وفي الطرقات يبثّون كلمة الحقّ. يفنون أعمارهم في الدعوة، وينادون بالعدل. هناك أفراد يدعون الناس إلى ربّهم، فلا يستجاب لهم. كم من شابّ في عائلته يدعو من حوله، ولا أحد يصغي أو يكترث. هم في بلدان شتّى، وفي مواقع متفرّقة. ألم تسمعوا عن كثيرين زجّ بهم في السجون؟ وعن نساء قتلن وقطّعن ظلما؟ وتلك التي أراد أن يعتدي عليها فقتلته، ولمّا سئلت عن سبب قتله قالت إنها دافعت عن شرفها، ولمّا قيل لها إن الشرف ليس عندها، أجابت بثبات أنه هو من لا شرف له. أليست هذه المرأة تشبه آسيا؟ أو فاطمة؟ أو زينب؟

فمن هم هؤلاء إذن؟ إنهم هم أنفسهم، تكرّروا في كل زمان، وتجلّوا في كل مكان؛ أرواح خلقت لتشهد الصبر، وتقاوم الظلم، وتحمل لواء الكرامة منذ الأزل.
موسى، وابراهيم الرسول… هو النبيّ نفسه، ولكن بأسماء مختلفة لا أكثر. صقلته الدنيا في كل مرّة بتجربة، فصار كلّ ابتلاء نحتا جديدا في روحه. وسيتقوّلون عنه أنه تصرّف بخشونة في زمن مضى، وفي هذا الزمن صار ليّنا لطيفا! لأن الأزمان تصقله، والدهور تهذّب حدّه. كلّ عصر يضيف إليه جوهرا جديدة، وكل تجربة تعيد تشكيله على قدر الحكمة التي اكتسبها من الابتلاء.
إبراهيم في زمنه كان يحطّم التماثيل، وستجد في زمانكم هذا رجلا يحمل معولا ويكسّر التماثيل.

لماذا؟
يفعل ذلك وهو على علم تام بأنها لا تعبد اليوم، لكنه يحمل في روحه ذاكرة الزمن القديم؛ ذاكرة توقظه من سبات العصور، فتدفعه ليكرّر الفعل ذاته. عليه أن يكسّر الأصنام، لأنّ رمادها ما زال يسكن العقول، ولأنّ عبادة الصورة لم تنته، وإن تغيّر شكلها عبر الدهر، لا لأنها من حجر.

هذا الجيل الذي يعيش الآن، هو نفسه الذي عاش من قبل.

إذا وضع إنسان وحيد في جزيرة نائية، فكيف يهتدي إلى الطعام أو الشراب؟ ومع ذلك، حين تعود إليه تجده قد عاش وتعلّم ما يأكل، وما يلبس، وكيف يحيا. وإن وضعت معه امرأة لا تعرف شيئا، سيقترب منها بفطرته، وتميل إليه بطبيعتها، فيكتشفان بعضهما لأول مرة. ستجدهم قد أنجبا أطفالا، وكل شيء. كيف اهتدى إليها وكيف اهتدت إليه؟
لأنهما مبرمجان منذ الأزل، يحملان في ذاكرتهما الأولى سرّ البقاء.
ما فعله الإنسان الأول يفعله الإنسان الأخير. الأزواج الذين اجتمعوا في الزمن الأول هم أنفسهم الذين يجتمعون في كلّ زمن، والأرواح التي تآلفت في البدء تعود فتلتقي من جديد، بالحبّ الأول ذاته. الأزواج الذين كانوا في الزمن الأوّل هم الأزواج أنفسهم في كلّ زمن. الروح هي الروح، وإن تغيّر الجسد والاسم والمكان. والذين لم يتزوّجوا في الزمن الأول لن يتزوّجوا في أيّ زمن، لأن المقادير تكتب في البدء ولا تتبدّل.

حتى الجنّ هم الجنّ الذين عاصروا آدم، والذين عاصروا موسى وهارون؛ لم يتبدّلوا ولم يغيبوا، وبقيت الأرواح ثابتة في دورتها الأبدية.
إنهم في لبس من خلق جديد لا أكثر؛ تبدّلت الأجساد، وثبتت الأرواح في مجراها الأبديّ.
ولهذا، فالجسد يلد جسدا، لأنه يحمل الروح وينقلها إلى الجسد التالي. تتناقل الأرواح عبر الأجساد، عبر الولادة والموت؛ فإذا مات إنسان في مكان، فاعلم أن امرأة في موضع آخر قد وضعت مولودا في اللحظة نفسها، وفي تلك الثانية بالذات تكون الروح قد خرجت من الجسد الأول، ودخلت في الجسد الجديد لتواصل رحلتها. أمّا الذي يبقى في القبر فهو القرين.

إن الأرواح هي الأرواح ذاتها، تسكن أجسادا مختلفة، لا تفنى ولا تخلق من جديد. تعاد الحقبة نفسها بالأشخاص أنفسهم وبالأعداد ذاتها، لكن الذاكرة تغيّب ليبدأ المشهد من جديد.
إذ كيف لإنسان يوضع في أرض خالية، لم ير مخلوقا من قبل، أن يعرف كيف يعيش، وكيف يأكل، وكيف يتعامل؟ لأنه ببساطة يحمل في عمقه ذاكرة الأزمنة الأولى؛ يعيد طباع الأولين، وإن جهلها بعقله، أدركها بروحه، ويكرّر ما فعله الأسلاف دون وعي، يقول ويفعل كما كانوا يقولون ويفعلون.
كم من إنسان اليوم يرمي الشوك في طريق جاره كما رماه الأوّلون في طريق محمد الرسول؛ كم من روح تكرّر أفعالها القديمة في جسد جديد، لأنّ الزمن لا يخلق أرواحا جديدة، وإنما يعيدها في أدوار متكرّرة. وكم من شخص في المغرب الأقصى يشعر بحنين غامض إلى أرض كالصين، يحبّها دون سبب، أو يهوى طعاما أو لباسا ليس من أرضه ولا من عاداته؛ لأنّ روحه عاشت هناك يوما ما، وأكلت تلك الأطعمة.

أحياء عند ربّهم يرزقون، لأنّ أرواحهم باقية، حلّت في أجساد أخرى، تأكل وتشرب وتفرح وتحزن، وتعيش من جديد ضمن دورة أزلية. غير أن الإنسان لا يدرك أن الروح التي أمامه قديمة عرفها في حياة سابقة؛ تغيّر شكلها، لكن طباعها كما هي. تلك الأمّ التي ماتت، لو بحثت عنها لوجدتها في جسد آخر، في العائلة نفسها، تحبّ بالطريقة نفسها، تضحك بالطريقة نفسها، وتختار الألوان نفسها؛ لأنّ الروح واحدة، والمشاعر واحدة، والقدر يعيد نفسه لذات الروح في جسد جديد.

الذي يرفض تصديق هذه الحقيقة هو ممّن يأبون الاعتراف، كمن يعيش في ذلّ ويزعم أنه بخير؛ يقنع نفسه بالقوة كي لا ينهار، ويصبر كذبا على نفسه ليستمرّ.

وهناك من ادعى أنه عاش لآلاف من السنين، وأنه لم يكره ولم يملّ؛ فهل هذا هو المسيخ الخالد؟
نعم، فأنتم جميعا خالدون، غير أن الفارق بينكم وبينه أنه وحده يعرف من يكون، ويعرف الأجساد التي سكنها، ويتذكّر العصور التي عبرها؛ أمّا أنتم فغابت عنكم الذاكرة، لا أكثر.
حتّى أصحاب الكهف بينكم، وربّما ذاك الذي يعشق الجبال ويدفع ثروته ليصعد قممها هو أحدهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock