الوجود الإيرانى فى المشرق العربى نفوذ سياسي أم تهديد وجودى
بقلم د-كامل عبد القوي النحاس

مفارقة الخطر المبالغ فيه
في زمن يموج بالتحذيرات الإعلامية والسياسية من الخطر الإيراني، يظهر الواقع مختلفًا.
إيران لم تحتل أرضًا عربية مباشرة، بينما يواصل الكيان الصهيوني السيطرة العسكرية على فلسطين والجولان ومزارع شبعا، ويسعى كذلك لفرض هيمنته على الشرق وتحقيق حلم دولته المزعومة من النيل للفرات.
هذه المفارقة توضح خللًا في ترتيب الأولويات داخل الوعي السياسي العربي،
حيث يُخلط بين النفوذ السياسي والاحتلال العسكري
وفهم الفرق بينهما هو حجر الزاوية لأي استراتيجية عربية قائمة على الاستقلالية والسيادة.
النفوذ أم الاحتلال؟
تمييز أساسي
النفوذ السياسي ظاهرة مألوفة، تمارسها الدول الكبرى عبر التحالفات والدعم لحلفائها، خصوصًا في مناطق ضعف الدولة أو فراغ السيادة.
أما الاحتلال العسكري فهو سيطرة فعلية على الأرض بالقوة، وفرض سلطة الأمر الواقع على السكان، وتغيير الواقع السياسي والديموغرافي بما يخدم الدولة المحتلة.
خلط المفهومين ليس مجرد خطأ لغوي، بل إعادة صياغة متعمدة لصورة الصراع ليبدو النفوذ كتهديد موازٍ للاحتلال
بينما الواقع مختلف جذريًا.
منطق النفوذ الإيراني: دفاع واستراتيجية
تمدد النفوذ قاعدة تمارسها كل الدول القوية لحماية مصالحها وتعزيز قدرتها على الردع.
في حالة إيران، الوضع أوضح وأكثر تعقيدًا. فهي تعيش منذ ثورة 1979 تحت حصار اقتصادي وسياسي مطبق
وتحيط بها بيئة إقليمية متوترة
مع قواعد أجنبية على ساحل الخليج
علاوة على جيران يتوجسون خيفة ويقطعون علاقاتهم بها خوفًا من تصدير الثورة وسقوط ممالكهم كما حدث في إيران.
مع تراجع القوة العربية وتفككها ووجود فراغ استراتيجي في المنطقة، كان لا بد من ملئه،
وهو ما فعلته إيران عبر بناء شبكة نفوذ إقليمي ضمن منطق دفاعي واستراتيجي.
كان لانتشار حلفاء إيران، مثل حزب الله في لبنان والنظام السابق في سوريا، دور حاسم في وقف التمدد الإسرائيلي خارج الجولان ومزارع شبعا،
ومنعا لاستغلال إسرائيل لأي فراغ أمني.
فقد خاض حزب الله أكثر من حرب مع إسرائيل، ولم يكن لهذا الدور أن يتحقق لولا الدعم الإيراني الظاهر والقوي.
ما حدث في سوريا بعد تقلص الدور الإيراني بسقوط النظام السورى السابق، يوضح ذلك بجلاء،
حيث حاولت إسرائيل القضاء على الجيش السوري بضربات متتالية، وتعمل دائما على تأجيج الخلافات، ونشر الانقسامات بالداخل السورى،
في ظل ضعف الدولة السورية وعدم وجود دعم عربي فعّال.
الأهم أن النفوذ الإيراني لم يكن فرضيًا دائمًا، بل كثيرًا ما جاء برضا الدول أو بطلبها، سواء للحماية أو للتعاون في مواجهة التحديات الإقليمية.
هذا النفوذ ساهم أيضًا في دعم المقاومة الفلسطينية والمساهمة في حماية بعض الأراضي العربية،
ضمن منطق دفاعي واستراتيجي، وليس اعتداءً أو احتلالًا.
مقارنة الأفعال: الاحتلال أم النفوذ؟
إسرائيل: احتلال مباشر للأرض، تفوق عسكري، تغيير ديموغرافي، سيادة بالقوة.
إيران: نفوذ سياسي وعسكري محدود عبر تحالفات محلية، مختلف جوهريًا عن الاحتلال العسكري المباشر.
المقارنة بين الاحتلال والنفوذ مضللة وتفقد الرأي العام العربي القدرة على تمييز التهديد الحقيقي.
اختلال الإدراك: خطر الخلط بين النفوذ والاحتلال
الخطأ الأكبر في الخطاب العربي ليس مجرد الخلاف حول إيران، بل خلط النفوذ بالاحتلال.
السياسة الرشيدة تبدأ بتشخيص التهديد بدقة، فإذا اختلطت المفاهيم، اختلطت الأولويات،
وتحول النقاش من مواجهة الاحتلال إلى جدل حول النفوذ.
الخاتمة:
ترتيب الأولويات
تمييز النفوذ عن الاحتلال ليس رفاهًا فكريًا، بل أساس لمعرفة أعدائنا الحقيقيين وترتيب أولويات السياسات العربية.
وللحديث بقية…



