
في زحمة الأيام يمر في حياتنا عدد هائل من الوجوه بعضها يترك ظلاً عابراً وبعضها يترك جرحاً لا نراه إلا حين نلمسه وبعضها يترك ضوءاً يبقى معنا حتى بعد أن يرحل أصحابُه وكأنهم لم يكونوا مجرد عابرين بل كانوا درساً مكتوباً على صفحة القدر تلك الوجوه التي لم تمكث لم تكن أقل تأثيراً من الذين بقوا بل كانت أحياناً أكثر قدرة على تغيير اتجاه حياتنا لأن حضورها كان مكثفاً ومفاجئاً
وصادقاً لدرجة أننا شعرنا به رغم قصره واحتفظنا به رغم غيابه هناك وجه مر علينا في لحظة تعب فأعاد إلينا شيئاً من قوتنا بكلمة أو ابتسامة لم ينتبه هو لقيمتها لكننا نحن لم ننسها وهناك وجه آخر صادفناه في غيمة حزن كانت تظلل قلوبنا ففتح نافذة صغيرة ليدخل منها أمل بسيط لكنه كان كافياً ليغير لون اليوم كله وهناك وجه تركناه خلفنا رغم أننا أردناه أن يبقى لكن الظروف كانت أقوى منا ومنه .
ورغم أننا مشينا بعيداً إلا أن أثره ظل يتردد داخلنا كلما مررنا بذكرى تشبهه ومن أغرب ما في هذه الوجوه أن أكثرها رسوخاً في ذاكرتنا لم يكن لأشخاص عرفناهم جيداً بل لمن التقت أرواحنا بهم قبل أن تلتقي الأسماء لمن فهمونا بلا شرح وشعرنا نحوهم براحة لا تفسير لها وكأن الحياة منحتنا فرصة صغيرة لنرى شكلاً من السلام الذي كنا نبحث عنه في أماكن أخرى لكن الفرصة.
اختفت قبل أن نفهم لماذا ظهرت أصلاً ومع مرور الوقت نكتشف أن العابرين ليسوا صدفة كما نظن بل رسائل متخفية في هيئة بشر أحدهم جاء ليعلمنا أن الطيبة لا تزال موجودة وآخر جاء ليكشف لنا أننا نستحق أفضل مما كنا نقبل وآخر ظهر فقط ليخبرنا أن الحب لايقاس بالمدة بل بالشعور وأن الانسجام الحقيقي لا يحتاج وقتاً طويلاً ليثبت نفسه .
وأن بعض الروابط تولد في لحظة وتمتد في الذاكرة دهراً كاملاً ومهما حاولنا أن ننسى تلك الوجوه سنجدها تعود كلما جلسنا مع أنفسنا لأنها جزء من تشكيلنا الداخلي جزء من الطريقة التي نفكر بها ونشعر بها ونتعامل بها مع العالم هي بصمات غير مرئية لكنها واضحة جداً لمن يعرف تاريخ قلبه جيداً يدرك كل واحد منا أن الوجوه التي عبرت حياتنا دون أن تمكث لم تأت لتملأ الفراغ بل لتفتح عينينا على حقيقة كنا نتجنبها أو لتمسح غباراً.
تراكم على أرواحنا أو لتقودنا نحو نسخة أنضج وأقوى من أنفسنا وربما لهذا السبب تحديداً لا تغادر ذاكرتنا رغم أنها غادرت حياتنا لأن أثرها أعمق من حضورها ولأن مرورها كان حدثاً لا يشبه أي شيء آخر حتى وإن بدت مجرد لحظة عابرة في دفتر الوقت



