الوطنية تاج الشرفاء.. والخيانة لعنة المأجورين: مصر بين أنس وميدو

بقلم: حسام النوام
الوطن ليس كلمة عابرة نرددها في المناسبات، ولا شعارًا نرفعه حين تقتضي الحاجة. الوطن هو الأرض التي نولد عليها، والهواء الذي نتنفسه، والدم الذي يجري في عروقنا. هو التاريخ الممتد آلاف السنين، وهوية الحضارة التي علّمت الدنيا معنى الإنسانية. ومصر تحديدًا ليست مجرد وطن عادي، بل أيقونة خالدة في قلوب أبنائها، وقلعة حصينة تصدت عبر القرون لكل معتدٍ وخائن.
لكن عبر مسيرة الأوطان، يظل هناك خطّ فاصل دائمًا بين الشرفاء الذين يرفعون راية الوطن بدمائهم وعرقهم، وبين الخونة الذين يبيعون أنفسهم لأجندات خارجية. ولعل المشهد الحالي يعطينا مثالين متناقضين يجسّدان هذه الحقيقة:
أنس: الذي اختار أن يكون بوقًا مأجورًا ضد بلده.
ميدو (أحمد عبد القادر): الذي جسّد معنى الوطنية في أصعب الظروف، فخرج ثابتًا وأكثر وفاءً لمصر.
الوطنية ليست شعارًا بل فعلًا حيًا
الحديث عن الوطنية لا يكتمل إذا ظل في إطار الكلمات. الوطنية فعل حيّ، تُثبتها المواقف الصعبة، حين يتعرض الإنسان لاختبار حقيقي يكشف مدى إخلاصه. فكم من أشخاص تحدثوا عن حبهم لمصر، لكنهم عند أول امتحان انكشفوا، وكم من مصريين بسطاء لم يتحدثوا كثيرًا، لكنهم قدّموا أرواحهم ودماءهم فداءً للوطن.
في هذا السياق، يظهر بوضوح الفارق بين أنس وميدو. أنس لم يرَ في الوطنية سوى ورقة للمساومة، بينما ميدو أدرك أن حب الوطن ليس خيارًا، بل قدرًا وواجبًا.
أنس.. الوجه القبيح للخيانة
أنس، الذي ظهر في مشاهد أمام السفارات المصرية بالخارج، لم يكن صوتًا وطنيًا حرًا كما يزعم، بل كان مجرد أداة بأيدي من يريدون تشويه صورة مصر. رفع شعارات زائفة، ردد هتافات مسمومة، وحاول تصدير صورة قاتمة عن بلده، مقابل أموال أو وعود زائفة بالشهرة.
من يتأمل خطاب أنس، يجده خطابًا فارغًا من الحقائق، مليئًا بالتحريض والكراهية. فهو لا يتحدث عن هموم المصريين من منطلق الإصلاح أو الغيرة الوطنية، بل من منطلق التشويه والتدمير. والأسوأ، أنه اختار الوقوف في صف خصوم وطنه، يصفق لهم ويستقوي بهم، وكأنه لا يدرك أن من يبيع نفسه اليوم سيُلقى به غدًا في مزبلة التاريخ.
ميدو.. نموذج الشاب الوطني
وعلى النقيض، برز اسم أحمد عبد القادر الشهير بـ”ميدو”، الذي قدّم درسًا في الوطنية الحقيقية. ميدو لم ينجرّ وراء الشعارات الفارغة، بل واجه الأكاذيب التي يروجها المأجورون. وحين تعرض لمحنة القبض عليه في إحدى القضايا المرتبطة بالحشد أمام السفارات، لم يتراجع أو يبدّل مواقفه.
بل على العكس، بعد تدخل السلطات المصرية والإفراج عنه، خرج ميدو أكثر قوة، وأكثر تمسكًا بحب بلده. لم يستخدم محنته للتشهير بمصر، ولم يبيعها كما فعل أنس، بل جعل من تجربته دليلاً على أن الوطني الحق قد يتعرض للشدائد، لكنه يظل ثابتًا على مواقفه.
قصة ميدو هي رسالة واضحة: الوطنية ليست أن ترفع علم مصر في المناسبات فقط، بل أن تظل وفيًا لها في وقت الشدة قبل الرخاء.
دروس من التاريخ: مصر دائمًا تميز بين أبنائها
وليس جديدًا على مصر أن تفرّق بين الخائن والوطني. التاريخ المصري مليء بالشواهد:
عز الدين أيبك وقطز: حين خان بعض المماليك وطنهم، كان هناك من ثبت في المعركة ورفع راية النصر ضد التتار.
ثورة 1919: كان هناك عملاء للاحتلال يحاولون كسر روح المصريين، لكن سعد زغلول ورفاقه قادوا الجماهير نحو الاستقلال.
العدوان الثلاثي 1956: ظهرت أصوات عميلة تراهن على سقوط مصر، لكن عبد الناصر وأبناء بورسعيد كتبوا ملحمة وطنية خالدة.
حرب أكتوبر 1973: بينما كان بعض الخونة يراهنون على الهزيمة، كتب الجيش المصري أروع صفحات النصر.
اليوم يتكرر المشهد: أنس يمثل الخيانة التي عرفناها قديمًا، بينما ميدو يمثل الوطنية التي تظل تضيء درب مصر مهما اشتدت الظلمات.
—
الخيانة ليست وجهة نظر
من المهم أن ندرك أن الخيانة ليست حرية رأي أو اختلافًا سياسيًا. الخيانة خط أحمر. أن تقف مع خصوم بلدك ضدها، أن تشوه صورتها عمدًا، أن تستقوي بالخارج – كل ذلك لا علاقة له بالوطنية.
الوطني قد يعترض أو ينتقد، لكن نقده يكون من الداخل، من قلب البيت، برغبة في البناء لا الهدم. أما الخائن فهو من يتمنى خراب الوطن حتى يثبت صوابه المزعوم. وهذا ما فعله أنس، حين باع نفسه للخارج، وظن أن أموالهم أو دعمهم سيعطيه قيمة، بينما في الحقيقة صار مجرد أداة تُستعمل وتُلقى.
—
لماذا تنتصر مصر دائمًا؟
تنتصر مصر لأنها تملك موازينها الداخلية التي لا تخطئ: تعرف كيف تحتضن أبناءها الأوفياء، وكيف تكشف الخونة مهما ارتدوا من أقنعة.
مصر احتضنت ميدو لأنه ابن مخلص.
وأسقطت صورة أنس لأنه مأجور.
هذه هي الحقيقة التي لا يمكن تزويرها: مصر تعرف أبناءها جيدًا.
—
الوطنيون في مواجهة المأجورين
من يتأمل المشهد المصري اليوم، يجد أن هناك جبهة وطنية واسعة تضم ملايين المصريين الذين يعملون بجد ويبنون بلدهم. هؤلاء لا يتصدرون المشهد الإعلامي دائمًا، لكنهم الجنود المجهولون الذين يزرعون، يبنون، ويحمون.
في المقابل، هناك قلة مأجورة، ضجيجها عالٍ لكن أثرها محدود، تحاول أن تزرع الكراهية، لكنها لا تستطيع أن تهز شجرة مصر العريقة.
فبينما يقف أنس في صفوف هذه القلة البائسة، يقف ميدو في صفوف الملايين الذين يرفعون مصر فوق رؤوسهم، ويقولون للعالم كله: نحن أبناء هذا الوطن ولن نبيعه أبدًا.
الوطنية قدر.. والخيانة لعنة
في نهاية المطاف، يبقى الدرس أبديًا:
الوطنية تاج على رؤوس الشرفاء مثل ميدو، الذين يظلون أوفياء لمصر مهما اشتدت العواصف.
والخيانة لعنة تطارد الخونة مثل أنس، الذين يبيعون أنفسهم مقابل حفنة مال، فيسقطون في مزبلة التاريخ.
مصر لا تنكسر أمام محاولات التشويه، لأنها تستمد قوتها من أبنائها الأوفياء. ستظل شامخة، لا يضرها صراخ خائن، ولا يخيفها مأجور، لأن أبناءها يعرفون أن حب الوطن ليس اختيارًا، بل هوية ورسالة خالدة.