اليمين المتطرف في إسرائيل يفرض على جميع دول المنطقة تجاوز صراعاتها
بقلم المستشار -أسعد الهفل

عملت إسرائيل، منذ نشأتها، على الانفراد بكلِّ دولةٍ على حدة، مستغلةً انشغال دول المنطقة بمشكلاتها واختلاف أولوياتها من جهة، ودخول بعض الدول في تنافس على قيادة المنطقة بعد الاستقلال من الاستعمار الغربي من جهة أخرى؛ إذ لم يكن من أولوياتها جميعاً مواجهة الخطر الإسرائيلي بالشكل اللازم؛ بل إنّ بعض الدول الإقليمية كانت تربطها بإسرائيل علاقات سياسية واقتصادية، وأحياناً عسكرية؛ فهي أقرب إلى التحالف معها منها إلى العداء لها؛ في حين كانت دول الطوق العربي تدفع ثمن التفوق العسكري الإسرائيلي والدعم الغربي غير المحدود لها، مما جعلها تخسر معظم الحروب معها؛ بل إنّ بعض الأنظمة العربية استغلّت القضية الفلسطينية لأجل كسب الشرعية الداخلية، وتحقيق بعض المكاسب السياسية والاقتصادية؛ إلا أنّ اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، في 17 سبتمبر 1978، كانت نقطة تحول في الصراع العربي الإسرائيلي، وفتحت أبواب التطبيع مع إسرائيل؛ إذ وقّع الأردنّ معها اتفاقيّة وادي عربة في 26 أكتوبر 1994، ليصبح ثاني دولة عربية توقّع اتفاقاً رسميّاً مع إسرائيل، ثمّ كانت اتفاقيّة أوسلو، ثمّ آخر هذه الاتفاقيات تلك التي وُقِّعَت في 15 سبتمبر 2020 بين الإمارات العربية المتحدة والبحرين، وانضمام المملكة المغربية إليهما؛ وهي “اتفاقيّات إبراهيم”؛ إلا أن الأعمال الاستفزازية كانت وما تزال هي عنوان سياسات إسرائيل في المنطقة، وقد شجّعها على ذلك فائض القوّة الذي تتمتّع به، والدعم الغربي، والتشتّت العربي، وتنافس بعض دول المنطقة على أداء أدوارٍ قياديّة لم تكن لمصلحة أحد.
إنّ حرب الإبادة على غزة، التي مضى عليها أكثر من سنتين وما تزال، والحروب التي شنّتها إسرائيل على دول المنطقة، وكان آخرها القصف الجوي الذي تعرّضت له قطر في 9 سبتمبر 2025، بالرغم من أنّها ليست في حالة عداءٍ مع إسرائيل، وتُعدُّ حليفاً لأمريكا (قاعدة العديد الجوية الامريكية)، تؤكد لدول المنطقة جميعها أنّ السلام مع اليمين المتطرّف، وعلى رأسه نتنياهو، لم ولن يكون سلاماً حقيقياً؛ بل إن ما تريد إسرائيل فرضه على دول المنقطة هو سياسة الهيمنة عليها بالقوة.
إن الدول جميعها أصبحت مهدّدة، ولا نبالغ إن قلنا إنّ سبب هذه العربدة الإسرائيلية هو سياسة التماهي التي اتبّعتها بعض دول المنطقة، وفي ضوء هذه الحقائق أدركت هذه الدول متأخرةً أنّ عليها إعادة تحديد أولوياتها تجاه الأخطار الخارجية؛ لذا جاء التحالف الاستراتيجي السعودي الباكستاني خطوةً ضروريةً لمواجهة هذا الخطر، وجاء التقارب التركي المصري، بعد سنوات طويلة من القطيعة غير المبررة؛ فالخطر الإسرائيلي المتمثل في تهجير أهل غزة أصبح حقيقةً، وهو خطرٌ على أمن مصر أيضاً التي بتنا نسمع منها كلاماً يعبّر عن إدراكها له، وظهر ذلك في التقارب المصري الإيراني. وأيضاً ما صدر عن الإدارة السورية الجديدة من إشاراتٍ تجاه العراق والانفتاح عليه وعلى لبنان يعبّر عن إدراكٍ بأنّ أيّ خلافاتٍ تبقى أقلّ بكثير من الخطر الإسرائيلي مما يحتّم على دول المنطقة اتّخاذ جميع الخطوات اللازمة لمواجهته.



