
في زمن تتداخل فيه الأصوات وتتشابك الخطوات ويضيع فيه الإنسان بين ما يريد وما يفرض عليه تتشكل لحظات صغيرة تبدو عابرة لكنها تحمل في داخلها قدرة خفية على تغيير ملامح الروح لحظات لا ينتبه لها أحد لأنها تأتي بلا إعلان ولا مقدمات لا تحمل صدى ولا تترك علامة واضحة ومع ذلك تبقى هي الأكثر تأثيرا لأنها لا تخضع لحسابات العقل ولا تنتظر إذنا من أحد بل تقتحم الوجدان.
اقتحاما وتعيد ترتيب كل ما اختل داخل هناك لحظة يصمت فيها كل شيء حولك رغم أن العالم يصرخ هناك لحظة تنبه فيها ذاتك من غفلة طويلة وتدرك أن الطريق الذي تمشيه لم يكن لك وأنك كنت تتبع أثرا لا تعرف مصدره ولا تعي الغاية منه فتقرر أن تعود إلى نقطة البداية لتواجه نفسك بلا تبرير ولا تجميل لتعيد حساباتك بعين أكثر صدقا وأكثر وعيا وأكثر شجاعة تلك اللحظة قد لا تأتي.
إلا مرة لكنها تكفي لتعيد بناء إنسان جديد مختلف في نظرته وفي خطوته وفي قدرته على فهم المعنى الحقيقي لما يريده وما يحتاجه وما يجب أن يتركه خلفه وفي انبثاق المعنى هذا تتجلى قوة الإنسان حين يتحرر من ثقل الأسئلة التي تضعف نبضه ومن الانتظار الذي يستهلك إرادته ومن صراع داخلي لا يسمعه أحد سواه فعندما يقرر أن يقف أمام نفسه بلا خوف يبدأ كل شيء في اتخاذ.
شكل آخر وتبدأ الروح في استعادة صورتها الأولى وتبدأ الخطوة في اكتشاف طريق لم يكن مرئيا من قبل وكأن الضوء لم يكن غائبا بل نحن الذين كنا نغض الطرف عنه وهكذا يولد ما يشبه اليقظة لا هي ثورة ولا هي انطفاء بل توازن عميق يخلق معنى جديدا للحياة معنى لا يحتاج إلى تصفيق ولا شهادات ولا شهود يكفي أنه يعيد الإنسان إلى ذاته تلك العودة التي تأخرت كثيرا لكنها تأتي دائما في الوقت الذي يستحقه القلب ويحتاجه العقل وتشتاق إليه الروح



