هلّت نسائم رمضان المنعشة للأرواح، فتجد الجميع يستعد لاستقباله كضيفٍ كريم، وتكتسي الشوارع والطرقات والبيوت والمساجد بحلّةٍ من الزينة والبهجة، حتى يتمنى المسلمون أن تكون أيام السنة كلها رمضان. غير أن رمضان ليس موسمًا للزينة فحسب، بل موسمٌ لمراجعة النيات، وإصلاح القلوب، وتصحيح المسار.
ورمضان شهر الصيام، والصيام ليس مجرد امتناعٍ عن الطعام والشراب، بل هو مدرسة إيمانية متكاملة، تتزكى فيها النفوس، وتسمو فيها الأرواح، ويُعاد فيها ترتيب العلاقة بين العبد وربه، وكذلك بين العبد وأخيه في المجتمع.
وأعظم ما يسبق هذه العبادة ويمنحها روحها الحقيقية هو النية؛ فهي سر القبول، وميزان الثواب، ومفتاح مضاعفة الأجر.
وقد أجمع العلماء على أن محل النية القلب، ولا يُشرع التلفظ بها، وإنما يستحضرها المسلم بينه وبين ربه عند عزمه على الصيام.
وقرر جمهور الفقهاء أن نية صيام رمضان تكفي فيها نية واحدة ما لم يقطعها بعذر، وعند بعض أهل العلم تُجدَّد النية لكل يوم، غير أن تجديد استحضار المقاصد كل ليلة يحيي القلب ويزيد الأجر.
وأول ما يستحضره الصائم أنه يمتثل أمر الله تعالى، إذ يقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ (البقرة: 183)، ويقول: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (البقرة: 185).
وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى: «الصوم لي وأنا أجزي به» (رواه البخاري ومسلم)، وهي خصوصية عظيمة تدل على شرف هذه العبادة وعظم ثوابها.
وجعل الله الغاية الكبرى من الصيام تحقيق التقوى، فقال سبحانه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183).
فالصيام يربي في النفس المراقبة، ويعوّدها الصبر، ويكبح جماح الشهوة، ويهذب السلوك.
ولذلك قال النبي ﷺ: «الصيام جُنّة» (رواه البخاري ومسلم)، أي وقاية من المعاصي وستْر من النار.
وهو كذلك سبيل لتزكية النفس التي قال الله فيها: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ (الشمس: 9).
ومن مقاصده تهذيب الغريزة وضبط الشهوة، كما قال ﷺ: «ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وِجاء» (رواه البخاري ومسلم)، أي حصنٌ يحفظ صاحبه من الانحراف.
والصيام مدرسة صبر حقيقية، والله تعالى وعد الصابرين بأجرٍ عظيم لا يُحدّ ولا يُحصى، فقال: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (الزمر: 10).
فإذا صام العبد إيمانًا واحتسابًا، مستحضرًا وعد الله، كان جزاؤه المغفرة، كما قال ﷺ: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه» (متفق عليه).
فليست العبرة بترك الطعام فحسب، بل بحضور القلب، وصدق التوجه، واحتساب الأجر عند الله.
ويستحضر الصائم كذلك نية المسارعة إلى مغفرة الله وجنته، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ (آل عمران: 133)، وقوله في وصف عباده المؤمنين: ﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ… أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب: 35).
وقد بشر النبي ﷺ الصائمين بباب خاص في الجنة، فقال: «إن في الجنة بابًا يُقال له الريان، لا يدخله إلا الصائمون» (متفق عليه).
كما وعدهم بالنجاة من النار، فقال ﷺ: «من صام يومًا في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا» (متفق عليه).
ومن أعظم ما يُستحضر في الصيام رجاء استجابة الدعاء، وقد جاءت آية الدعاء في سياق آيات الصيام مباشرة، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (البقرة: 186)، وكأنها إشارة إلى أن الصيام زمن قربٍ خاص من الله.
وقال ﷺ: «للصائم عند فطره دعوة لا تُرد» (رواه ابن ماجه وحسنه بعض أهل العلم).
وللصائم فرحتان كما أخبر الصادق المصدوق ﷺ: «فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه» (متفق عليه)، وهي فرحة أعظم حين يرى العبد ثمرة صبره وصدق نيته.
إن الصيام في حقيقته يحقق مقاصد عظيمة من مقاصد الشريعة؛ فهو يقوّي الصلة بالله، ويزكي النفس، ويهذب المجتمع، ويُشعر الغني بحاجة الفقير، ويحقق روح التكافل والتراحم.
فهو عبادة فردية في ظاهرها، اجتماعية في آثارها، ربانية في غاياتها.
فالنية تُصلح القصد، والعمل يُثبت الصدق، وبين النية والعمل تتحدد منزلة العبد عند ربه. قد يعظم العمل الصغير بنيّةٍ صادقة، وقد يصغر العمل الكبير بغفلةٍ أو رياء.