
الحمد لله الذي بين لنا أفضل المسالك وأحسن الآداب ووفق من شاء من عباده لسلوكها وهو الحكيم الوهاب وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وإليه المرجع والمآب، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي قام بالأخلاق الفاضلة، وأتمها، وحذر أمته من سفاسفها وأرذلها صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين تمسكوا بآدابه، وإنتهجوامناهجه، وسلم تسليما أما بعد اعلموا يرحمكم الله أن التوبة تحتاج إلى مجاهدة، فأنت حين تسمع منبه سيارة جليس من جلساء السوء وصديق من أصدقاء المعصية، تسمع صوت منبهه وأنت في بيتك وفي قلبك بداية من بدايات التوبة، في قلبك بداية من بدايات الندم، فهل أخرج معه أم أنصرف عنه؟ وهل أستجيب له أم أستجيب لله؟ وهل أعصي الله أم أجلس في طاعة الله؟ وهنا تبرز المجاهدة.
فجاهد نفسك على أن تنصرف عنه إلى ما يرضي ربك، وإذا بلغت مرحلة أقوى من ذلك أن تفتح الباب وتقول له إلى متى الغفلة؟ فسمعت صوت منبهك إلى أين نذهب، هل إلى شلة ندير الورق إلى آخر الليل؟ أم هل تشهد الأنامل بالتسبيح؟ أم هل يشهد الورق بالسجود؟ أم هل تشهد الأرض بالذكر؟ أم هل تشهد السماء بالإنحناء والركوع، أم تشهد بالغفلة، والسباب الشتيمة، والقطيعة والبغضاء، واللعنة والعداوة؟ فإذا لم يتحقق ذلك، فإنك مهزوم في هذه الجولة، إما أن تكسب الجولة وإما أن تخرج مهزوما، ويعلن الشيطان إنتصارا عليك، وتصفق الشياطين ضاحكة غارقة في الضحك والسخرية منك يا بن آدم لأن الله كرمك وما رضيت كرامة الله تعالي، لأن الله دعاك وإنصرفت عن دعوة الله، وقال الشيطان دعوته فإستجاب لي، فأحس الشيطان بنشوة وزهو النصر على هذا العبد.
الذي جاهد نفسه وخسر الجولة لأن التوبة لم تكن صادقة، فقال الشيطان لهذا المسكين ” وما كان لي عليكم من سلطان ” وما كبلت يدك بالحديد فأخرجتك إلى جلساء السوء، وما جعلت القيد في عنقك وفي يدك وفي رجلك فجعلتك تسافر إلى الخارج، وما سحبتك بتلابيب جيبك حتى تقعد في اللهو والمعصية، إذن ماذا فعلت أيها الشيطان بهذا الإنسان، فيقول ” وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ” أي إنما دعوتكم، وزينت لكم، وأحكمت الصورة في خيالكم، فكانت الإستجابة منكم، ولكن ماذا بعد المعصية؟ فهل هي لذة دائمة؟ لا والله، بل ألم المعصية يخالط القلب، ويشغل البال، ويقلق الضمير كما قال الحسن البصري رحمه الله ” إنهم وإن طقطقت بهم البغال، وهملجت بهم البراذين إلا أن ذل المعصية لا يفارق وجوههم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه ”
فيا عباد الله إن المجاهدة سبيل إلى الهداية، وليست التوبة سلعة تباع في المتاجر فنشتريها، أو قميصا نلبسه، أو دابة نركبها، التوبة والهداية ثمرة للمجاهدة، جاهد نفسك بالبديل، إذا جاهدك الشيطان على سماع اللهو والغناء، فجاهد نفسك على سماع كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، وسماع المحاضرات والخطب والفتاوى وحلق الذكر، تأمل كلاما سماعه يرفعك عند الله درجات وينجيك من الدركات، وإبتعد عن كلام يجعلك مع الضالين الظالمين، حتى إن بعض الناس قد بلغت به الغفلة وإستحكمت فيه الشهوة وبلغ به العناد إلى درجة أنه أصبح يحب أهل المعصية وأهل اللهو وأهل الغناء، أكثر من محبته لله ولرسوله، ولأهل الله وأهل رسوله صلي الله عليه وسلم، فيا عباد الله صلوا وسلموا على حبيبكم ونبيكم ومن أمركم الله بالصلاة والسلام عليه ، فقال سبحانه قولا كريما ” إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما “



