مقالات وآراء

برد يغتال الأرواح في خيام غزة..« وصمود يتحدّى الرياح»

بقلم د- ايمان سماحة

حين ينسدل الليل على غزة، وتتشابك الظلال مع صمت الأرض الممزقة، ترتجف الخيام الرقيقة تحت وطأة بردٍ قارس. الرياح تخترق الخيوط الرقيقة بلا استئذان، تلتف حول الأطفال الذين يحاولون الاحتماء بأغطية رقيقة لا تكفي لسد لسعات الهواء القارس، وأصابعهم الصغيرة ترتجف بحثًا عن دفءٍ ضائع.
الأمهات يجلسن على حواف الخيام، أعينهن ترقب الصغار، وقلوبهن تخفق بين الخوف والأمل، بينما يحاولن أن يخفين ارتعاش أجسادهن بابتسامة صامدة. “تحمّلوا قليلًا… الصبر صديقنا”، تهمس الألسن، وكأنها صلاة صغيرة تصارع الصقيع وتقاوم القسوة.
الأب، في زاوية من الخيمة، يراقب بصمت، يحاول أن يمحو أثر التعب عن وجهه، لكنه يعرف أن الصمت لا يكفي لإخفاء الحقيقة: كل لحظة برد، كل ليلة شتاء قاسية، هي معركة مستمرة للبقاء.
الرياح هنا ليست مجرد نسيم؛ إنها رسالة من الواقع تقول: “الحياة قاسية، لكنكم أقوى من أي برد”.
وفي العتمة الحالكة، تتراقص الأفكار في العقول الصغيرة والكبيرة: “هل سينتهي البرد؟ هل سيشرق الفرح بعد كل هذا الصبر؟” والحقيقة هي أن الأمل لا يموت. الصمود هنا ليس مجرد تحمل، بل هو إبداع في مواجهة الألم، هو قدر الإنسان على تحويل المعاناة إلى قوة، وتحويل كل نسمة برد إلى درس في الشجاعة.
وعندما يطل الصباح، حتى لو خجولًا، تظهر على وجوههم علامات التعب ممزوجة بالأمل. يقفون، يمسكون بأيدي بعضهم، ينقلون الدفء فيما بينهم، ويكتبون صفحة جديدة من قصة غزة التي لم تكسرها الرياح، ولم تنحني أمام البرد القاسي.
وهكذا، يصبح البرد في خيام غزة أكثر من مجرد طقس؛ إنه اختبار للإنسانية، شهادة على قوة الروح، وعنوانًا للصمود. كل نفس بارد، وكل خيمة رقيقة، هي درس في الصبر، وأسطورة حيّة عن الصمود في وجه القسوة.

اللهم احفظ أهل غزة من البرد ومن كل سوء، وارزقهم الدفء والراحة والاطمئنان، واجعل صبرهم سببًا للفرج والخير، وارزقهم السلام والأمان في كل ليلة ونهار. اللهم اجعلهم في حفظك ورعايتك، وأزل عنهم البلاء، وأكرمهم بما يسر خواطرهم ويخفف عنهم معاناتهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock