مقالات وآراء

بوابة النهضة العربية

كتبت د ليلي الهمامي

من مسلّمات علم الاجتماع وفلسفة التربية اعتبار المنظومة التعليمية الجسر الذي يُمكّن المجتمعات من التأسيس لمستقبل أرقى، ومن إعاده بناء المجتمع لتكوين الكفاءات وترسيخ القيم.

وعلى الرغم من أن عالم الاجتماع الفرنسي “بيار بورديو” يعتبر ان النظام التعليمي يعيد انتاج الفوارق الطبقية، فان الارتقاء الطبقي ممكن عبر المنظومة التعليمية ولو جزئيا.

أطرح مسالة التعليم في واقعنا العربي اليوم كمسألة استراتيجية، بعيدا عن الشعارات وعن المناكفات الايديولوجية الخاوية من كل مضمون هادف.

مسألة المنظومة التعليمية لا تنفصل عن علاقتنا نحن العرب بالحداثة والعولمة وعن مشكل عام أطرحه كما يلي: هل من الضروري ان نحاكي الغرب في نظمه السياسية والتعليمية والثقافية لكي نكون في انسجام مع تيارات العولمة؟ هل ان دمقرطة المؤسسة التعليمية تستجيب لاستحقاقات المجتمعات العربيه ولوضعها كمكونات أمة مهزومة؟

ما يباعد بيني وبين سوق السياسة الاستهلاكية المنتشرة في أرجاء المنطقة العربية، هو أنني أطرح الاشكاليات الحقيقية دون حرج، إيمانا مني بأنها اشكاليات تؤلف استحقاقات المصير العربي، ومنجلها أعادي كل انتهازية وأعادي جميع أتباع استعمار المقدِّسين لقِيَـمه ونُظم فكره…

كل تفكير حول الإصلاح التربوي عليه ان ينطلق من مقولتين:

-نحن في وضع هزيمة حضارية.

– نحن لا نزال في وضع حرب ضد التخلف وضد الاستعمار من أجل ان نستمر وأن ننهض.

هذه الاستحقاقات تضعنا امام ضرورة اعادة بناء المنظومة التربوية على شاكلة عسكرية ! ) العودة الى مشروع الخديوي محمد علي في مصر ومشروع خير الدين باشا في تونس).

على الدولة الوطنية أن تنفق ما يجب إنفاقه على التربية والتعليم من أجل ان تكون المدرسة، الورشة التي يعاد فيها تشكيل السلوك والعقل وفق مقاييس علمية وتربية وطنية.

علينا أن نجعل من التعليم ورشا مفتوحة من أجل إعادة صياغة المناهج والمضامين على أساس الجمع بين مكونات الخصوصية التاريخية والثقافية والمواد العلمية الأكثر تطورا وتقدما.

علينا أن نقطع مع التخصص المبكّر الذي ينتج أجيالا بثقافة عرجاء وبتكوين جزئي.

علينا ان نجعل من المؤسسات التربوية فضاءات انضباط، حيث تُحتَرم القيم وتقدَّس المعرفة. فمجتمعاتنا لا تحتاج للميوعة بقدر ما تحتاج لمقاومتها… مجتمعاتنا تواجه طوفان شقوص العولمة المائعة والمدمّرة.

ومن بغيظ الأشياء أن نحوّل مدارسنا وكلياتنا إلى بؤر للميوعة وللتسيّب وللمروق بدعوى التحديث. وليس المقصود بقولي هذا، أن تتحول مؤسساتنا الى نُظم سِجنيّة، يغيب فيها الحوار والنقاش ليفتح المجال لاحتكار المعرفة والخطاب من الجهة الرسميّة. وإنما المقصود أن تكون تلك المؤسسات مصانع للوعي والالتزام. بقدر ما تصنع العقل معرفيا وعلميا، بقدر ما تصقل النفس على معنى الواجب وقيم الالتزام والانضباط…

هذه الارضية هي في تقديري القاعدة الأساسية لكل نقاش يمكن ان يُطرح حول المنظومة التربوية في العالم العربي.

علينا ان نتخلص من الاحكام الايديولوجية المسبقة وان لا نعتبر الا غاية واحدة وأساسية، وهي انعتاقنا من دمار التخلف والاستعمار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock