المدونة

بوصلة الشرق المضطربة.. إيران بعد 1979 وإعادة ترتيب التحالفات

د.كامل عبد القوي النحاس

 

 

المقال الثاني:

 

زلزال 1979.. انهيار “الأمن الوظيفي” وبداية السيادة الجديدة

بقلم: الأديب المفكر

د. كامل عبد القوي النحاس

 

الافتتاحية:

 

زلزال في وعي الجغرافيا

 

هل يمكن لحدث داخلي أن يعيد رسم ملامح الإقليم بالكامل؟

 

عام 1979 لم يكن مجرد تبدل في نظام الحكم الإيراني.

 

كان زلزالاً جيوسياسياً أطاح بحجر الزاوية في المنظومة الأمنية للشرق.

 

تلك المنظومة التي صمّمها الغرب لضبط حركة التاريخ في بلادنا.

 

بيد أن سقوط الملكية لم يكن سقوطاً لتاج فحسب.

بل كان انهياراً لهيكل الأمن الوظيفي الذي حرس المصالح الاستعمارية لعقود.

 

في تلك اللحظة الفارقة، لم تتغير موازين القوى فقط.

بل كُسرت قواعد الاشتباك القديمة تحت وطأة الإرادة السيادية.

 

فقدت القوى الدولية شرطيها المخلص في المنطقة.

ووجد الكيان الصهيوني نفسه أمام انكشاف أمني واقتصادي مفاجئ.

 

لقد استدعى هذا التحول إعادة رسم كاملة لخارطة العداء والتحالف فوق رمال المشرق المتحركة.

 

الخلفية التحليلية:

 

حلف المحيط.. حين كانت طهران رئة الصهيونية

تاريخياً،

 

كانت إيران تُمثل الضلع الأقوى في استراتيجية المحيط الإسرائيلية.

هي عقيدة صهيونية سعت لتطويق العمق العربي بتحالفات مع دول الأطراف.

 

لم تكن العلاقة حينها مجرد تبادل تجاري عابر أو تعاون ديبلوماسي.

 

بل كانت رئة طاقية تمد الكيان بنحو أربعين بالمائة من احتياجاته النفطية.

 

كانت طهران مجسّاً استخباراتياً متقدماً يراقب نبض العالم الإسلامي من الداخل.

 

في ذلك الوقت، لم يصف الغرب ترسانة الشاه بأنها خطر داهم.

بل كانت توصف بأنها قوة استقرار وحماية للمصالح الدولية.

 

وهنا ندرك الحقيقة المرة:

 

الاستقرار في منطقتنا كان يُقاس بمدى التبعية.

 

لم يكن استقراراً نابعاً من توازن حقيقي بين الشعوب ومقدراتها.

 

بل كان استقرار التبعية الذي يضمن تدفق النفط وتأمين أمن المحتل.

 

التحليل البنيوي:

 

فلسفة المقر وكسر هيبة الهيمنة

 

قرار تحويل مقر السفارة الإسرائيلية في طهران إلى مقر فلسطيني كان إجراءً بنيوياً حاسماً.

 

لم يستهدف القرار المبنى كجدران، بل استهدف المعنى كقيمة سيادية.

 

لقد حقق هذا الإجراء ثلاثة أهداف استراتيجية قلبت الطاولة:

 

أولاً: انتزاع الشرعية الإقليمية

بتبديل الأعلام فوق ذلك المقر، أُعلن رسمياً عن نهاية حقبة القبول الضمني.

سقطت الأهلية الوجودية للكيان الصهيوني في نسيج المنطقة.

أصبح المقر الذي كان يخطط لاحتواء العرب، مركزاً لدعم صمودهم.

 

ثانياً: إعادة تعريف الهوية السياسية

لم يعد معيار التحالف في الشرق عرقياً أو لغوياً أو حتى حدودياً.

أصبح الموقف من فلسطين هو المسطرة التي تُقاس بها سيادة المواقف.

نقل هذا الإجراء قضية فلسطين من ملف ديبلوماسي إلى محرك عقدي للسياسة.

خلق هذا التحول تصادماً حتمياً مع القوى الراعية لأمن إسرائيل.

 

ثانياً: تفكيك الهيمنة الأحادية

تسليم مفاتيح السفارة للفلسطينيين كان إعلاناً عن الخروج من بيت الطاعة الغربي.

كانت رسالة مفادها أن القرار السيادي لا يحتاج إذناً من العواصم الكبرى.

 

دفع هذا القوى الدولية للانتقال فوراً من مربع استثمار الحليف إلى مربع احتواء الخصم.

 

النتائج والآثار:

 

هندسة صناعة الخوف والعدو البديل

بمجرد أن توقفت إيران عن أداء دورها الوظيفي المرسوم، تغيرت لغة الخطاب الدولي.

 

بدأت الماكينة الإعلامية في إعادة إنتاج صورة إيران كعدو وجودي.

 

وهنا يجب أن نفكك الفارق بين التهديد الفعلي وبين التهديد المصنوع.

 

التهديد المصنوع هو أداة لإعادة ضبط التوازنات الدولية وضمان استمرار التبعية.

 

الخصومة الراهنة في جوهرها هي فاتورة الاستقلال التي تدفعها الدولة السيادية.

 

في منطقتنا، تُصنف الدول وفق قربها أو بعدها عن المشروع الصهيوني.

 

لا قيمة هنا لمعايير الديمقراطية أو حقوق الإنسان في ميزان القوى الكبرى.

إن صناعة الخوف تهدف لضمان بقاء المنطقة تحت الوصاية الدائمة.

 

فالخروج عن المسار المرسوم يترتب عليه تصنيف الدول على أساس الولاء أو المعارضة.

 

الانعكاسات الميدانية:

حين تصبح الرمزية قوة مادية

 

لم يظل أثر الزلزال حبيساً في أروقة السياسة أو الديبلوماسية.

بل تحول إلى واقع مادي أعاد التوازن العسكري في المنطقة.

تمت مراجعة قواعد الاشتباك الإقليمية بشكل جذري.

تحولت القضية الفلسطينية من هم قومي إلى ضرورة استراتيجية للدفاع عن الذات.

بُنيت حالة من عدم اليقين لدى المحتل، وفقد شعوره بالأمان المطلق.

ذلك الأمان الذي كان يوفره له حلف المحيط القديم قبل أن ينهار تحت وطأة التغير.

 

الرسالة الختامية:

 

فلسطين ميزان السيادة

يظل زلزال 1979 المختبر الأهم لفهم كيف تُصنع التحالفات في شرقنا المضطرب.

 

هذه القراءة ليست دفاعاً عن كيان، بل هي تشريح لكيفية تفاعل المنظومة الدولية.

 

استنفرت القوى الكبرى لمواجهة قرار سيادي تجرأ على المساس بالثوابت الاستعمارية.

 

فهمُ هذه اللحظة هو المفتاح لإدراك سبب اضطراب البوصلة اليوم.

 

لقد تحولت فلسطين من شعار في الخطابات الرنانة إلى سلاح يعيد تعريف القوة.

وهكذا، بقيت فلسطين هي الميزان؛ من انحاز إليها استرد سيادته، ومن خذلها تاه في دروب التبعية.

 

التمهيد للمقال القادم

 

التحول في الهوية والوظيفة لم يبقَ حبيس الأوراق، بل صار قوة صلبة في الميدان.

 

في المقال القادم:

 

فلسطين في الميزان الإقليمي.. من شعار العروبة إلى سلاح المقاومة.

سنستكشف كيف أصبحت القضية الفلسطينية المحرك الفعلي للصراعات الكبرى.

وكيف أعيد تشكيل محور المقاومة كضرورة جيوسياسية لمواجهة محاولات التصفية والتركيع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock