عربي وعالمي

بين التسريبات والقلق الاستراتيجى من يدير المشهد الدولى فى زمن الحروب

كتب /أيمن بحر

فى زمن الحروب الكبرى لا تكون المعارك كلها على خطوط النار ولا تدار المواجهات فقط بالصواريخ والطائرات بل كثيرا ما تبدأ المعركة الحقيقية داخل الغرف المغلقة وفى التقارير السرية التى تكتبها أجهزة الاستخبارات وفى التسريبات التى تجد طريقها إلى وسائل الإعلام فتفتح أبوابا واسعة من الأسئلة والشكوك فى عواصم القرار حول العالم.
ومن بين أكثر الأسئلة إثارة للجدل فى الآونة الأخيرة ذلك السؤال الذى بدأ يتردد فى دوائر السياسة والتحليل إذا كان رئيس الوزراء الإسرائيلي Benjamin Netanyahu قد تراجع سياسيا أو غاب تأثيره التقليدى عن مسار الأحداث فمن الذى يمسك فعليا بخيوط القرار فى الولايات المتحدة فى هذه اللحظة الحساسة من تاريخ المنطقة.
السؤال لا يتعلق بشخص بعينه بقدر ما يعكس حالة من الارتباك داخل منظومة سياسية وعسكرية تبدو وكأنها تواجه لحظة اختبار غير مسبوقة خاصة مع تزايد التقارير الإعلامية التى تتحدث عن تقديرات أمنية منسوبة إلى جهاز Mossad تشير إلى مخاوف حقيقية من المسار الذى قد يتخذه الصراع إذا استمر فى التصاعد.
وبحسب ما تداولته بعض المنصات الإعلامية العبرية فإن تلك التقديرات لا تتحدث بلغة الانتصار التقليدية التى اعتادت تل أبيب الترويج لها بل بلغة القلق الاستراتيجى حيث تطرح تساؤلات عميقة حول قدرة إسرائيل على تحمل حرب طويلة فى ظل التحديات الأمنية المتزايدة
وتشير تلك التقارير إلى أن إحدى التوصيات البارزة التى جرى تداولها داخل الدوائر الأمنية هى البحث عن مسار تفاوضى عاجل يمكن أن يفتح الباب لوقف التصعيد قبل أن يتحول الصراع إلى أزمة إنسانية وسياسية عميقة داخل إسرائيل نفسها.
كما تحدثت بعض المصادر الإعلامية عن مؤشرات على حالة قلق داخل المجتمع الإسرائيلي حيث أشارت تقارير إلى مغادرة أعداد من السكان من مدن مركزية مثل Tel Aviv في ظل المخاوف من اتساع نطاق المواجهة إذا استمرت العمليات العسكرية في التصاعد.
وفي موازاة ذلك يبرز عامل آخر لا يقل أهمية وهو التحولات المحتملة في الموقف الأمريكي حيث تشير بعض التحليلات إلى أن دوائر داخل واشنطن بدأت بالفعل مراجعة حساباتها الاستراتيجية في المنطقة في ظل ضغوط سياسية داخلية ونقاشات داخل مؤسسات صنع القرار حول كلفة الانخراط العسكري المباشر في صراعات طويلة الأمد.
وإذا صحت هذه التقديرات فإن أي تقليص محتمل للدور الأمريكي قد يضع إسرائيل أمام معادلة أكثر تعقيدا وهي إدارة صراع إقليمي واسع دون الاعتماد الكامل على دعم الحليف التقليدي الأكبر.
التقارير نفسها تشير أيضا إلى عنصر آخر يزيد من القلق داخل دوائر القرار في تل أبيب وهو ما تصفه بامتلاك إيران شبكة واسعة من المنشآت العسكرية المحصنة تحت الأرض وفي مناطق جبلية معقدة وهي منشآت يعتقد أنها تضم منظومات تسليح متطورة ما يجعل أي مواجهة برية واسعة مخاطرة استراتيجية قد تتحول إلى حرب استنزاف طويلة.
ولهذا فإن بعض التوصيات التي تداولتها تلك التقارير لا تقتصر على البحث عن وقف إطلاق النار فحسب بل تشمل أيضا فتح مسارات تفاوضية جديدة حول ملفات حساسة مثل تخصيب اليورانيوم مع إشراك أطراف دولية مثل European Union ودول وسيطة قادرة على لعب دور في تهدئة التصعيد.
وسط هذا المشهد المعقد يظهر عامل إقليمي مهم يتمثل في التحركات الدبلوماسية التي تقودها مصر حيث تشير تقارير إعلامية إلى أن القاهرة تعمل بهدوء للحفاظ على استقرار المنطقة ومنع انتقال مركز الصراع إلى الخليج العربي وهو السيناريو الذي قد يفتح الباب أمام مواجهة إقليمية واسعة.
وتشير بعض التحليلات إلى أن الجهود المصرية تسعى إلى تثبيت معادلة أساسية مفادها أن استقرار الخليج يمثل ركيزة للأمن الإقليمي وأن تحويله إلى ساحة صراع مفتوح قد يؤدي إلى تداعيات خطيرة تتجاوز حدود المنطقة.
في النهاية سواء كانت كل تفاصيل هذه التسريبات دقيقة أم أن بعضها يدخل في إطار الحرب النفسية والإعلامية فإن الرسالة الأهم تبقى واضحة الشرق الأوسط يقف اليوم أمام لحظة تاريخية شديدة الحساسية حيث يمكن لقرار سياسي واحد أن يعيد رسم موازين القوى في المنطقة لسنوات طويلة.
وفي مثل هذه اللحظات لا تقاس قوة الدول فقط بما تمتلكه من أسلحة وجيوش بل بقدرة قادتها على اتخاذ قرارات حكيمة تمنع اندلاع الحروب قبل أن تتحول إلى واقع لا يمكن السيطرة عليه فالتاريخ يذكرنا دائما بأن الرجال قد يغيبون عن المشهد لكن القرارات التي يتخذونها تبقى لتشكل مصير الأمم لعقود طويلة قادمة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock