مقالات وآراء

بين السياسة والاقتصاد.. أبعاد زيارة الرئيس السيسي إلى الإمارات

بقلم -أحمد شتيه

في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، جاءت زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي اليوم إلى دولة الإمارات العربية المتحدة لتؤكد أن العلاقات المصرية-الإماراتية لم تعد مجرد علاقات تعاون تقليدية، بل تحولت إلى شراكة استراتيجية شاملة تتحرك بوعي في توقيت محسوب ورسائل واضحة.

الزيارة تأتي في ظل مشهد إقليمي مضطرب؛ أزمات متلاحقة في غزة، توترات في البحر الأحمر، ضغوط اقتصادية عالمية، وتحولات في خرائط التحالفات ، في مثل هذا السياق، يصبح التشاور بين القاهرة وأبوظبي ضرورة سياسية وأمنية واقتصادية، وليس مجرد تنسيق بروتوكولي.
التوقيت يعكس إدراك القيادتين بأن المرحلة تتطلب اصطفافًا عربيًا عقلانيًا، يوازن بين حماية الأمن القومي العربي، والحفاظ على الاستقرار الداخلي، ومواصلة مسارات التنمية.
كما أن الزيارة تؤكد استمرار نهج التشاور المستمر بين البلدين كلما تعقدت الملفات.

الملف الإقليمي كان في صدارة جدول الأعمال. القضية الفلسطينية، ومستقبل التهدئة، وسبل وقف التصعيد، إضافة إلى تطورات الأوضاع في السودان وليبيا واليمن، تمثل ملفات تمس الأمن القومي للبلدين بشكل مباشر.
التنسيق المصري-الإماراتي في هذه القضايا يستند إلى رؤية مشتركة تقوم على دعم مؤسسات الدولة الوطنية، ورفض الفوضى، والعمل على حلول سياسية تحفظ وحدة الدول وسيادتها ، هذه الرؤية أصبحت أحد أعمدة الاستقرار العربي خلال السنوات الأخيرة.
كما أن أمن البحر الأحمر والممرات الملاحية يظل أولوية استراتيجية، خاصة في ظل التحديات الأمنية التي تؤثر على التجارة العالمية، وهو ملف يتطلب تنسيقًا عالي المستوى بين القوى العربية الفاعلة.

العلاقات الاقتصادية بين القاهرة وأبوظبي شهدت طفرة غير مسبوقة خلال السنوات الماضية، حيث أصبحت الإمارات من أكبر المستثمرين في مصر.
ومن المرجح أن تكون ملفات الاستثمار، وتوسيع الشراكات في قطاعات الطاقة، والبنية التحتية، والعقارات، والتكنولوجيا، ضمن أبرز محاور الزيارة.
المرحلة الحالية تفرض على البلدين الانتقال من نموذج “الاستثمار التقليدي” إلى نموذج “التكامل الاقتصادي”، خاصة في ظل التحديات العالمية وسلاسل الإمداد المتغيرة.
مصر تمثل بوابة استراتيجية للأسواق الإفريقية، والإمارات تمتلك شبكة استثمارية عالمية واسعة، ما يخلق فرصة حقيقية لبناء تحالف اقتصادي إقليمي قوي.

الزيارة تحمل عدة رسائل واضحة: ثبات العلاقات المصرية-الإماراتية بعيدًا عن أي تقلبات إقليمية.
التأكيد على وحدة الموقف العربي المعتدل في مواجهة الأزمات ودعم الاستقرار والتنمية كخيار استراتيجي في مواجهة الفوضى والصراعات.
تعزيز الثقة الاقتصادية في السوق المصرية من خلال استمرار الدعم والاستثمار الإماراتي.

من وجهة نظري، هذه الزيارة ليست حدثًا عابرًا في جدول العلاقات الثنائية، بل حلقة جديدة في مسار تحالف عربي أصبح يمثل أحد أهم مراكز الثقل في المنطقة.
العلاقة بين مصر والإمارات تجاوزت مرحلة المجاملات السياسية إلى مستوى التنسيق العميق في الملفات الحساسة.
الأهم أن هذا النوع من التحركات يعكس وعيًا استراتيجيًا لدى القيادتين بأن التحديات لا تُواجه منفردة، وأن زمن التحالفات الشكلية قد انتهى، ليحل محله نمط من الشراكات القائمة على المصالح المتبادلة والرؤية المشتركة.
في عالم يتغير بسرعة، تبدو القاهرة وأبوظبي حريصتين على أن تكونا جزءًا من صياغة التوازنات، لا مجرد متلقيتين لتداعياتها. وهذا في حد ذاته مؤشر قوة ورسالة استقرار للمنطقة بأسرها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock