مقالات وآراء

“بين الوسطية والتشكيك” .. معركة الوعي في مواجهة دعاة الفتنة

بقلم -أحمد شتيه

في مشهد يتكرر مع كل مناسبة دينية أو خطاب روحاني، تحاول بعض المنصات المشبوهة ومروجو الفتن اقتناص أي كلمة أو عبارة لاجتزاءها من سياقها، وتحويلها إلى مادة للجدل وإثارة الرأي العام.

هذا ما حدث مؤخرًا مع دعاء أحد شيوخ الأزهر الشريف، الذي ذكر فيه السيدة فاطمة الزهراء بعبارة “بحق فاطمة وأبيها”، وهو دعاء لا يخرج عن إطار المحبة والتوقير لآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه وُضع عمدًا في بؤرة استهداف إعلامي مغرض.

 

الحقيقة أن هذا النوع من الأدعية ليس غريبًا عن وجدان المصريين، بل هو امتداد طبيعي لثقافة دينية عميقة الجذور، تقوم على الوسطية والاعتدال، وعلى محبة آل البيت دون غلو أو انحراف.

فالمجتمع المصري عبر تاريخه لم يعرف التشدد ولا الانغلاق، بل احتضن مدارس فقهية متعددة، وظل الأزهر الشريف منارة لهذا التوازن الفريد.

لكن ما حدث يكشف عن محاولة منظمة من بعض الأبواق الإعلامية المحسوبة على جماعة الإخوان، لاستغلال الدعاء كأداة لإثارة البلبلة، من خلال الإيحاء بوجود انحراف عقائدي أو محاولة “تشييع” المجتمع، وهي اتهامات تفتقر إلى الحد الأدنى من المصداقية أو الفهم الحقيقي لطبيعة التدين المصري.

 

هذه الحملات لا تستهدف الدعاء في حد ذاته، بل تضرب في العمق ثوابت الاستقرار المجتمعي، وتسعى لإعادة إنتاج حالة الاستقطاب الديني التي عانى منها المصريون في فترات سابقة. وهي ذات الأدوات التي استخدمت من قبل لتقسيم المجتمع بين “متدين” و”غير متدين”، أو بين “سني” و”شيعي”، رغم أن الواقع المصري كان دومًا أبعد ما يكون عن هذه التصنيفات الضيقة.

 

ومن اللافت أن محبة آل البيت، وعلى رأسهم السيدة فاطمة والسيدة زينب، تمثل جزءًا أصيلًا من الهوية الروحية للمصريين.

فالمصريون لم ينظروا يومًا إلى آل البيت بمنطق الفرقة، بل بمنطق القرب والبركة، وهو ما تجسد في الوجدان الشعبي، وفي الاحتفاء بمقاماتهم، وفي الأدعية التي تتردد على ألسنة العامة دون حساسية أو توجس.

وتبقى قصة دعاء السيدة زينب لمصر  كما يرددها التراث الشعبي – واحدة من الرموز الدالة على عمق هذا الارتباط، حيث يُحكى أنها دعت لمصر بالأمن والبركة، وهو ما يعكس مكانة هذا البلد في قلب التاريخ الإسلامي والوجدان الديني.

 

ما جرى ليس سوى محاولة مكشوفة لإعادة تدوير خطاب الفتنة، لكن الوعي المصري أصبح أكثر نضجًا في التعامل مع مثل هذه الحملات. فالمصريون يدركون جيدًا الفارق بين التدين الحقيقي القائم على المحبة والتسامح، وبين التدين المسيس الذي يُستخدم كأداة للهدم.

إن حماية هذا التوازن مسؤولية مشتركة، تبدأ من الإعلام الواعي، ولا تنتهي عند المواطن الذي أصبح أكثر قدرة على التمييز بين الحقيقة والتضليل.

وفي النهاية، ستبقى مصر كما كانت دائمًا، بلد الوسطية، وملاذ الاعتدال، وعصية على كل محاولات الاختراق الفكري أو الطائفي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock