مقالات وآراء

بين ضغوط الواقع وتجديد الأمل… كيف تتحول التحديات إلى فرصة لبناء الثقة؟

بقلم:طارق فتحى السعدنى

تمر مصر بمرحلة دقيقة لا يمكن قراءتها بلغة الأرقام وحدها، ولا تفسيرها فقط بظروف إقليمية أو أزمات عالمية.

ما نعيشه اليوم هو تداخل بين ضغوط اقتصادية واضحة وتطلعات اجتماعية متزايدة، وشعور عام لدى المواطن بأنه يتحمل الكثير وينتظر المقابل في صورة استقرار حقيقي وتحسن ملموس في تفاصيل حياته اليومية.

ومن هنا فإن القضية لم تعد في حجم التحديات بقدر ما أصبحت في كيفية إدارتها نفسيا وسياسيا ومجتمعيا.

المواطن المصري أثبت عبر السنوات الماضية أنه قادر على الصبر وتحمل تبعيات قرارات صعبة حين يدرك ضرورتها.

لكنه في المقابل يحتاج إلى وضوح رؤية يطمئن إليها وإلى خطاب صريح يشاركه الصورة كاملة لا جزءا منها.

فالثقة لا تبنى بالإنجازات وحدها بل بالشعور بالشراكة وكلما شعر المواطن أن ما يتخذ من قرارات يراعي أولوياته الحياتية المباشرة، تحولت الضغوط من عبء ثقيل إلى مسؤولية وطنية مشتركة.

وفي قلب هذه المعادلة يقف الشباب باعتبارهم القوة الأكبر في المجتمع والأكثر حساسية تجاه المستقبل.

فالشاب المصري اليوم لا يبحث فقط عن وظيفة بل عن فرصة حقيقية للتأثير والمشاركة.

يريد أن يرى نفسه في مواقع المسؤولية وأن يشعر بأن صوته جزء من صناعة القرار.

إن تمكين الشباب ليس شعارا بل ضرورة لضخ طاقة جديدة في مؤسسات الدولة والمجتمع عبر فتح المجال أمام المبادرات، وتخفيف القيود الإدارية أمام رواد الأعمال وتوسيع دوائر المشاركة المحلية والسياسية بصورة عملية لا شكلية.

وبين الاقتصاد والشباب تبقى العدالة الاجتماعية هي الخيط الذي يربط كل شيء ببعضه.

فالطبقة المتوسطة تتحمل العبء الأكبر في أي إصلاح اقتصادي، وإذا لم تشعر بوجود توازن عادل بين التضحيات والنتائج يتسرب القلق إلى المجتمع بأكمله.

لذلك فإن تعزيز الحماية الاجتماعية وضبط الأسواق بصرامة عادلة ومراجعة الأعباء التي تمس الحياة اليومية، ليست إجراءات اجتماعية فحسب بل سياسات استقرار وطني.

إن المرحلة القادمة لا تحتاج إلى قرارات أكثر صرامة بقدر ما تحتاج إلى جسور أكثر متانة بين الدولة والمجتمع.

تحتاج إلى إدارة للثقة بقدر إدارة الاقتصاد وإلى مصارحة بقدر ما تحتاج إلى إنجاز.

فحين يرى المواطن خطة واضحة المعالم بجدول زمني واقعي وبنتائج تدريجية ملموسة، يتحول الصبر إلى طاقة أمل وتتحول التحديات إلى محطة انتقال لا محطة إنهاك.

مصر عبرت اختبارات أصعب في تاريخها لأنها امتلكت شعبا واعيا ودولة قوية.

واليوم المطلوب ليس فقط عبور المرحلة بل إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن على أساس الشراكة والمسؤولية المتبادلة.

فالوطن لا يبنى بقرارات من فوق فقط ولا بمطالب من أسفل فقط، بل بلقاء الإرادة السياسية مع الإرادة الشعبية في نقطة ثقة مشتركة.

حينها فقط لن تكون هذه المرحلة عبئا عابرا بل بداية لصفحة أكثر توازنا واستقرارا تعيد للمواطن شعوره بأن المستقبل ليس غامضا بل قيد التشكل بإرادته مع دولته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock