دين ومجتمع

بين وداع الطمأنينة وموعد الشوق… حين تغادر الروح مكة ولا تغادرنا

بقلم -عبير محمود خلف

ليست مغادرة مكة حدثًا عابرًا يمكن اختصاره في حزم الحقائب أو حجز مقعد في رحلة عودة، بل هي لحظة إنسانية كثيفة المشاعر، تختلط فيها السكينة بالحزن، والامتنان بالشوق، والرضا بلوعة الفراق. بعد أيامٍ أو أسابيع عاشت فيها الروح قرب بيت الله الحرام، يصبح الخروج من هذا المكان المقدس أشبه بامتحان داخلي للثبات واليقين.
في مكة، لا يعيش الإنسان الزمن بمعاييره المعتادة. تتبدل الساعات، وتخف وطأة الأيام، ويشعر المرء أن روحه تسير بخطى أبطأ، متأملة، مطمئنة. الطواف حول الكعبة ليس حركة جسدية فحسب، بل دوران للروح حول معنى أعمق للحياة، حيث تتساوى الوجوه واللغات، وتتوحد القلوب في مقصد واحد. هناك، يتعلم الإنسان كيف يكون صغيرًا أمام عظمة الخالق، وقويًا بقربه.
وعند لحظة المغادرة، يقف الحاج أو المعتمر أمام البيت الحرام بنظرة أخيرة، لا تشبه ما قبلها. نظرة محمّلة بالدعاء، وبالرجاء أن لا تكون الوداع الأخير. العين تفيض بما عجز اللسان عن قوله، والقلب يراجع تفاصيل التجربة: دعوات خفية، دموع صادقة، وسكون نادر لا يتكرر كثيرًا في زحام الحياة.
المشاعر في تلك اللحظة متوازنة على حافة دقيقة؛ حزن لأن الروح اعتادت هذا القرب، وطمأنينة لأن ما زُرع في القلب لن يضيع. فمكة لا تُغادر الإنسان حين يغادرها، بل ترافقه في صلاته، في قراراته، وفي نظرته لنفسه وللآخرين. إنها مدرسة روحية تترك أثرها العميق، حتى بعد الابتعاد الجغرافي.
يمكن القول إن تجربة مغادرة مكة تكشف عن بعد إنساني مشترك بين ملايين الزائرين، مهما اختلفت ثقافاتهم. إنها لحظة صادقة، لا تخضع للتكلّف أو الادعاء، بل تعبّر عن احتياج داخلي دائم للسلام، وعن توق الإنسان للعودة إلى النقاء الأول. وربما لهذا السبب، يصبح الشوق إلى مكة شوقًا متجددًا، لا يرتبط بموعد محدد، بل بحالة قلبية مستمرة.
الشوق هنا ليس حنينًا عابرًا، بل وعدًا مؤجلًا. وعد بأن العودة ممكنة، وأن الدعاء المعلّق عند باب الرحيل قد يجد طريقه إلى الإجابة. ومع كل مغادرة، يولد أمل جديد، بأن يجمع الله القلب بالمكان مرة أخرى، في وقت يعلمه وحده.
وهكذا، تنتهي الرحلة جسدًا، لكنها تبدأ معنى. تغادر الأقدام مكة، ويبقى البيت الحرام ساكنًا في الروح، شاهدًا على تجربة لا تُنسى، وعلى شوق لا ينتهي، حتى يأذن الله بلقاء جديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock