مقالات وآراء

بِشرُ اليقين في كفالة اليتيم: إشراقةُ النبوةِ وظلالُ الرحمة

كتب أشرف ماهر ضلع 

 

​بين طيات المجتمع، تلمعُ عيونٌ انكسر فيها بريقُ الاستناد إلى ركنٍ شديد، وفؤادٌ غاب عنه “الأب” الذي كان يمثل سياجَ الأمنِ ومبتدأَ الحكاية. هؤلاء هم الأيتام؛ زهورٌ في بستانِ الحياةِ هزّت جذورَها رياحُ القدر، لكنّ الإسلام لم يتركهم للعواصفِ تذروهم، بل جعل من حِماهم مِحوراً للقداسة، ومن مسحِ رؤوسهم مِفتاحاً للجنان.

​يُتْمُ القدوة.. من مكةَ أشرقَ الضياء

​لم يكن اختيارُ القدرِ للنبي محمد ﷺ ليكون يتيماً محضَ صدفة، بل كان رسالةً سماويةً بليغة. لقد ذاقَ خيرُ البشرِ لوعةَ الفقدِ مرتين، ليقول للعالم إنّ اليُتمَ ليس عائقاً أمام العظمة، بل قد يكونُ مَصهراً لصناعةِ الروحِ القياديةِ المتصلةِ بالسماء.

​حين قال الله تعالى: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى}، كان يضعُ حجرَ الأساسِ لمنهجٍ إنسانيٍ جديد؛ منهجٍ لا يرى في اليتيمِ كائناً ضعيفاً يُشفقُ عليه بفتاتِ الموائد، بل يرى فيه “أمانةَ الله” التي تُختبرُ بها ضمائرُ الأمم.

​فلسفةُ الكفالة: رُفقةٌ في الفردوس

​لم يكتفِ الإسلامُ بالتوجيهِ الأخلاقيّ، بل صاغَ عقداً اجتماعياً فريداً لضمانِ كرامةِ اليتيم. وفي الحديثِ النبويّ الشريف، رسمَ الرسول ﷺ لوحةً تقشعرّ لها الأبدانُ شوقاً، حين ضمّ إصبعيه (السبابة والوسطى) وقال: “أنا وكافلُ اليتيمِ في الجنةِ هكذا”.

​إنها ليست مجردَ علاقةِ مُعطٍ بآخذ، بل هي تذكرةُ عبورٍ ذهبية تُلغي المسافاتِ بين العبدِ وبين ذروةِ القربِ النبويّ. الكفالةُ في المنظورِ الإسلاميِّ تتجاوزُ الإنفاقَ الماديَّ البارد؛ إنها:

​كفالةُ الروح: بلمسةِ حنانٍ تُذهبُ وحشةَ الفقد.

​كفالةُ العقل: بالتعليمِ والتوجيهِ ليبنيَ مستقبله بيده.

​كفالةُ الكرامة: بحفظِ مالهِ وعدمِ المساسِ به، بل وتنميته.

​قرآنٌ يُتلى.. وحقوقٌ تُحمى

​لقد حذّر القرآنُ الكريمُ بلهجةٍ حاسمةٍ من المساسِ بحقوقِ اليتامى، فجعل “أكلَ أموالهم” ناراً تُسعرُ في البطون، ووصف “قهرَ اليتيم” بأنه علامةٌ من علاماتِ تكذيبِ الدين. هذا الحزمُ التشريعيّ يهدفُ إلى بناءِ شبكةِ أمانٍ معنوية ومادية تجعلُ اليتيمَ يشعرُ أنه ابنٌ لكلِّ بيت، وأنّ فقدَ الأبِ البيولوجيّ قد عوّضه “الأبُ المجتمعيّ” الذي يستمدُّ قوته من أمرِ الله.

​خاتمة: اليتيمُ مرآةُ إنسانيتنا

​إنّ رعايةَ اليتيمِ في الإسلامِ ليست فعلاً خيرياً هامشياً، بل هي مقياسُ رقيّ المجتمعات. فالمجتمعُ الذي يحتضنُ أيتامه هو مجتمعٌ حيّ، تسري في عروقه دماءُ التراحم.

​إننا اليوم، ونحن نكتبُ عن اليتيم، لا نطلبُ له شفقةً، بل نطلبُ لأنفسنا نجاة. فاليتمُ قد يكونُ قدراً سماوياً، لكنّ “الضياع” خطيئةٌ بشريةٌ لا يغفرها التاريخ. فليكن لكلِّ منا في حِمى يتيمٍ بصمة، لعلنا نُحشرُ غداً في ظلالِ تلك الرفقةِ النبويةِ التي لا تشقى أبداً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock