ليست مجرد رسائل دبلوماسية او بروتوكولية ولكن مشهد جديد يبرز دور مصر فى الساحة العربية والدولية ، فى توقيت إقليمى شديد الحساسية، حملت التصريحات الإيجابية الأخيرة للرئيس الجزائرى عبد المجيد تبون تجاه مصر دلالات سياسية عميقة، عكست تقديرًا لدور القاهرة المحورى فى محيطها العربى والإفريقى، وتأكيدًا على متانة العلاقات التاريخية بين البلدين.
وجاء رد الرئيس عبد الفتاح السيسى ليؤكد المعنى ذاته، مشددًا على اعتزاز مصر بعلاقاتها مع الجزائر وحرصها على تطويرها فى مختلف المجالات.
لا يمكن فصل هذه التصريحات عن السياق الإقليمى الراهن، حيث تواجه المنطقة تحديات أمنية واقتصادية متشابكة، من تطورات القضية الفلسطينية، إلى الأوضاع فى ليبيا والساحل الإفريقى، مرورًا بملفات الطاقة والأمن الغذائى.
حديث الرئيس تبون عن عمق العلاقات مع مصر لم يكن مجرد مجاملة دبلوماسية، بل رسالة واضحة تؤكد تقاطع الرؤى بين البلدين فى عدد من القضايا الاستراتيجية، خاصة ما يتعلق بالحفاظ على وحدة الدول الوطنية، ورفض التدخلات الخارجية، ودعم الحلول السياسية للأزمات.
وجاء رد الرئيس السيسى ليعكس تقدير القاهرة لهذا الموقف، مؤكدًا أن العلاقات المصرية الجزائرية تستند إلى تاريخ مشترك من الدعم والتنسيق، منذ حقبة التحرر الوطنى وحتى اليوم.
التقارب فى التصريحات يعكس، فى جوهره، حالة من التفاهم السياسى العميق بين العاصمتين.
فالبلدان يمثلان ركيزتين أساسيتين فى معادلة التوازن العربى والإفريقى، وأى تنسيق بينهما يعزز من قدرة النظام العربى على استعادة دوره.
على المستوى الإفريقى، يشكل التنسيق بين القاهرة والجزائر عنصرًا مهمًا داخل الاتحاد الإفريقى، خاصة فى ملفات السلم والأمن ومكافحة الإرهاب فى منطقة الساحل.
أما عربيًا، فإن التقارب يعزز فرص توحيد المواقف تجاه الأزمات الإقليمية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
التصريحات المتبادلة قد تمهد لمرحلة أوسع من التعاون، خاصة فى المجالات التالية:
الطاقة: الجزائر لاعب رئيسى فى سوق الغاز، ومصر تمتلك بنية تحتية قوية لتسييل الغاز وإعادة تصديره، ما يفتح آفاقًا لتكامل استراتيجى يخدم مصالح البلدين.
التجارة والاستثمار: حجم التبادل التجارى لا يزال أقل من الطموحات، رغم الإمكانات الكبيرة فى مجالات الصناعة، والدواء، ومواد البناء، والصناعات الغذائية.
التنسيق الأمنى: فى ظل التحديات المشتركة المرتبطة بمكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية.
التعاون الثقافى والإعلامى: لتعزيز الروابط الشعبية التى تشكل الأساس الصلب لأى علاقة رسمية.
أى تقارب مصرى جزائرى يُقرأ إقليميًا باعتباره عامل استقرار، لا محور استقطاب ، فالبلدان يتبنيان سياسة قائمة على احترام سيادة الدول وعدم التدخل فى شؤونها، ما يعزز صورتهما كدولتين داعمتين للاستقرار.
كما أن هذا التقارب قد يسهم فى إعادة تنشيط العمل العربى المشترك، خصوصًا إذا تُرجم إلى مبادرات مشتركة داخل الجامعة العربية أو الاتحاد الإفريقى.
وأرى ان التصريحات المتبادلة بين الرئيسين ليست مجرد رسائل بروتوكولية، بل تعكس إدراكًا مشتركًا بأن المرحلة الراهنة تتطلب تكتلًا عربيًا عقلانيًا قائمًا على المصالح المشتركة لا على ردود الأفعال.
العلاقة بين مصر والجزائر تمتلك من التاريخ والرصيد السياسى ما يؤهلها لأن تكون نموذجًا لشراكة عربية متوازنة ويبقى التحدى الحقيقى فى تحويل النوايا الإيجابية إلى مشروعات ملموسة يشعر بها المواطن فى البلدين، سواء عبر زيادة الاستثمارات، أو تسهيل حركة التجارة، أو تعزيز التعاون فى مجالات الطاقة والأمن.
ففى عالم يموج بالتحولات، يصبح التقارب بين الدول الكبرى فى محيطها الإقليمى خيارًا استراتيجيًا لا ترفًا سياسيًا.