عربي وعالمي
تحولات الحرب فى الشرق الاوسط تكشف حدود القوة الامريكية وتعيد فكرة القوة العربية المشتركة
كتب /أيمن بحر

تشهد منطقة الشرق الاوسط واحدة من أكثر لحظاتها توترا منذ عقود حيث كشفت التطورات المتسارعة فى المواجهة بين ايران واسرائيل عن تغيرات عميقة فى موازين القوة والنفوذ داخل المنطقة وهو ما أعاد إلى الواجهة نقاشا قديما حول قدرة النظام الدولي على فرض الاستقرار وحول حاجة الدول العربية إلى بناء منظومة دفاع جماعى مستقلة.
فى هذا السياق جددت مصر دعوتها إلى إنشاء قوة عربية مشتركة تكون قادرة على حماية مقدرات المنطقة والدفاع عن مصالح شعوبها بعيدا عن الاعتماد الكامل على القواعد العسكرية الأجنبية وهو الموقف الذى طرحه وزير الخارجية المصرى السفير بدر عبد العاطي خلال اجتماع وزراء الخارجية العرب حيث شدد على ضرورة امتلاك الدول العربية أدوات الردع والدفاع الخاصة بها فى ظل عالم يتغير بسرعة.
وترى دوائر سياسية عديدة أن الأحداث الأخيرة أظهرت أن القواعد العسكرية الأجنبية فى المنطقة لم تعد الضامن المطلق للأمن كما كان يعتقد البعض لسنوات طويلة إذ أن هذه القواعد ارتبط دورها فى كثير من الأحيان بحماية مصالح استراتيجية محددة وعلى رأسها أمن اسرائيل إضافة إلى حماية طرق الطاقة والمصالح الاقتصادية الكبرى فى الخليج.
وقد أنفقت دول الخليج خلال العقود الماضية مبالغ هائلة على صفقات السلاح وترتيبات الحماية العسكرية مع القوى الغربية غير أن التطورات الحالية أظهرت أن لحظات الأزمات الكبرى تكشف دائما حدود تلك الترتيبات خاصة عندما تتقاطع المصالح الدولية وتتعقد الحسابات السياسية والعسكرية.
من ناحية أخرى تعيش اسرائيل حالة قلق غير مسبوقة نتيجة حجم التوتر في المنطقة وتزايد احتمالات توسع المواجهة وهو ما دفع السلطات هناك إلى فرض قيود صارمة على نشر الصور والمعلومات المتعلقة بالخسائر والأضرار في محاولة للحفاظ على الجبهة الداخلية ومنع تصاعد حالة الذعر بين السكان.
وفي المقابل أعلنت ايران أنها ستواصل تطوير قدراتها الصاروخية وتكثيف عملياتها العسكرية في حال استمرار التصعيد وهو ما يثير مخاوف دولية واسعة من تحول الصراع إلى مواجهة إقليمية أوسع قد تمتد آثارها إلى أسواق الطاقة العالمية وإلى استقرار الاقتصاد الدولي.
كما تشير تقارير سياسية إلى أن أي استهداف واسع لمنشآت النفط في الخليج قد يخلق أزمة طاقة عالمية كبيرة تعيد إلى الأذهان الاضطرابات التي شهدها العالم خلال حرب عام 1973 وهو السيناريو الذي تسعى قوى دولية عديدة إلى تجنبه عبر تكثيف الاتصالات الدبلوماسية.
في الوقت نفسه بدأت تظهر تباينات داخل الولايات المتحدة حول كيفية التعامل مع الأزمة حيث يجري نقاش واسع داخل الأوساط السياسية والعسكرية حول الخيارات المتاحة في حال توسع المواجهة بما في ذلك سيناريوهات العمليات الخاصة المرتبطة بالملف النووي الايراني وهي خيارات معقدة تحمل مخاطر كبيرة سياسيا وعسكريا.
وعلى الصعيد الدولي تتابع القوى الكبرى التطورات بحذر شديد مع مؤشرات على تحركات دبلوماسية أوروبية لإعادة ترتيب علاقاتها وتحالفاتها في المنطقة بينما تحاول بعض الدول لعب دور الوسيط لتقريب وجهات النظر وتجنب انفجار صراع إقليمي واسع.
ومع تسارع الأحداث يبدو واضحا أن الشرق الاوسط يقف أمام مرحلة جديدة قد تعيد رسم خرائط النفوذ والتحالفات في المنطقة لسنوات طويلة قادمة وهو ما يجعل دعوات بناء منظومة عربية مشتركة للأمن والدفاع تعود بقوة إلى طاولة النقاش.
غير أن التحدي الأكبر لا يزال يتمثل في قدرة الدول العربية على تحويل هذه الفكرة إلى مشروع عملي حقيقي فالتجارب السابقة أظهرت أن الانقسامات السياسية والحسابات الضيقة غالبا ما تقف عائقا أمام أي محاولة لبناء قوة عربية موحدة.
وفي ظل عالم يشهد تغيرات متسارعة وصراعات متشابكة يبقى السؤال مفتوحا حول ما إذا كانت المنطقة ستتعلم دروس اللحظة التاريخية الراهنة أم ستظل تعتمد على توازنات خارجية قد تتغير في أي وقت.
ويبقى الأمل دائما أن تمتلك الدول العربية رؤية مشتركة تضمن أمنها واستقرارها وتحمي مصالح شعوبها في زمن لم يعد يعترف إلا بالقوة والتوازن الحقيقي بين الدول.



