
منذ عودته إلى صدارة المشهد السياسي العالمي، يتعامل دونالد ترامب مع السياسة الخارجية بعقلية رجل الصفقات لا بمنطق الدبلوماسيين. فالرجل لا يؤمن كثيرًا بالمواثيق الدولية ولا بالتوازنات التقليدية، بل يرى أن القوة الاقتصادية والعسكرية والنفسية هي اللغة الأوضح في إدارة النزاعات.
من فنزويلا إلى كولومبيا، ومن جرينلاند إلى روسيا وإيران، تتجلى ملامح سياسة“الاستقواء” التي باتت علامة مسجلة لترامب.
فنزويلا: النفط أولًا والديمقراطية ذريعة
في فنزويلا، لم يكن تدخل ترامب سياسيًا بحتًا، بل اقتصاديًا في جوهره ، استخدام العقوبات الخانقة، ودعم معارضات بعينها، والتلويح الدائم بالخيار العسكري، وامتد الامر الى خطف الرئيس الفنزويلى نيكولاس مادورا من قلب العاصمة كاراكاس، كلها أدوات ضغط هدفت إلى إخضاع كاراكاس لإرادة واشنطن وإعادة السيطرة غير المباشرة على واحدة من أكبر احتياطيات النفط في العالم. الديمقراطية هنا لم تكن سوى غطاء أخلاقي لسياسة الهيمنة.
كولومبيا: العصا الأمريكية في أمريكا اللاتينية
كولومبيا، الحليف التقليدي لواشنطن، لم تسلم هي الأخرى من سياسة الضغط.
ترامب تعامل معها بمنطق “الولاء مقابل الحماية”، مستخدمًا ملفات المخدرات والهجرة غير الشرعية كوسيلة ابتزاز سياسي.
الرسالة كانت واضحة: إما الانصياع الكامل أو إعادة النظر في الدعم الأمريكي.
جرينلاند: الجغرافيا تتحول إلى صفقة
عندما طرح ترامب فكرة “شراء جرينلاند”، سخر كثيرون من التصريح، لكن خلف هذا الطرح عقلية شديدة البراغماتية.
فجرينلاند ليست جزيرة جليدية فحسب، بل موقع استراتيجي حاسم في الصراع مع روسيا والصين، وثروة مستقبلية من المعادن النادرة. هنا ظهرت السياسة الخارجية الأمريكية وكأنها سوق مفتوحة، تُشترى فيها الجغرافيا وتُباع.
روسيا: قوة توازن لا خصم مباشر
مع روسيا، انتهج ترامب سياسة مزدوجة: خطاب حاد أمام الإعلام، وتفاهمات ضمنية خلف الكواليس.
لم يكن هدفه المواجهة بقدر ما كان إعادة ضبط ميزان القوة العالمي، وإرسال رسالة مفادها أن واشنطن قادرة على فرض قواعد جديدة دون الذهاب إلى حرب شاملة.
إيران: أقصى ضغط بلا حرب
أما إيران، فكانت النموذج الأوضح لسياسة “الضغط الأقصى”. انسحاب من الاتفاق النووي، عقوبات غير مسبوقة، استعراض قوة عسكرية، دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة.
ترامب أراد إخضاع طهران اقتصاديًا ونفسيًا ودفعها للتفاوض بشروط أمريكية خالصة.
سياسة ترامب القائمة على فرض القوة أعادت الاعتبار لمفهوم الهيمنة الأمريكية، لكنها في الوقت نفسه أضعفت النظام الدولي متعدد الأطراف، ودفعت العديد من الدول للبحث عن بدائل وتحالفات جديدة.
كما أنها زادت من منسوب التوتر وعدم الاستقرار، وفتحت الباب أمام صراعات كامنة قد تنفجر في أي لحظة.
الهدف لم يكن فقط حماية المصالح الأمريكية، بل إعادة تعريف القيادة العالمية: قيادة لا تفاوض كثيرًا، لا تنتظر توافقًا دوليًا، وتؤمن بأن الأقوى يكتب القواعد.
إنها سياسة تخاطب الداخل الأمريكي بقدر ما تستعرض القوة في الخارج.
ما يفعله ترامب قد يبدو للبعض حزمًا واستعادة للهيبة الأمريكية، لكنه في الحقيقة مغامرة محسوبة المخاطر.
فسياسة القوة قد تنجح على المدى القصير، لكنها تترك خلفها عالمًا أكثر توترًا، وأقل ثقة، وأكثر استعدادًا للانفجار.
التاريخ علمنا أن النفوذ الحقيقي لا يُبنى فقط بالقوة، بل بالشرعية، وما يفتقده ترامب في كثير من تحركاته هو هذه الشرعية.



