
في عالم لم يعد يعرف الاستقرار، حيث تتسارع الأزمات وتتشابك المصالح، لم يعد مقبولًا أن نُدير مواردنا بعشوائية أو ننتظر حتى تقع الكارثة ثم نتحرك. ومع تصاعد التوترات الإقليمية، وعلى رأسها الحرب المرتبطة بإيران وتداعياتها على أسواق الطاقة عالميًا، جاء قرار الحكومة المصرية بغلق المحال في التاسعة مساءً وتقليل الإضاءة كخطوة واعية، جريئة، واستباقية تستحق الدعم الكامل.
قد يبدو القرار للبعض مفاجئًا أو حتى صعب التطبيق، خاصة في مجتمع اعتاد على حيوية الشارع المصري حتى ساعات متأخرة من الليل. لكن الحقيقة التي يجب أن نواجهها بوضوح: الأزمات لا تُدار بالعادات، بل بالقرارات. والدول القوية ليست تلك التي ترفض التغيير، بل التي تملك الشجاعة لتغييره في الوقت المناسب.
الكهرباء اليوم لم تعد مجرد رفاهية أو خدمة عادية، بل أصبحت أحد أعمدة الأمن القومي. أي خلل في توفيرها أو إدارتها قد ينعكس مباشرة على حياة المواطنين، وعلى الاقتصاد، وعلى استقرار الدولة ككل. ومن هنا، فإن ترشيد استهلاك الكهرباء لم يعد خيارًا، بل ضرورة حتمية تفرضها الظروف.
وإذا كنا دائمًا ننظر إلى التجارب الأوروبية باعتبارها نموذجًا يُحتذى به، فعلينا أن نتذكر أن تلك الدول لم تتردد لحظة في اتخاذ إجراءات قاسية حين واجهت أزمات طاقة حقيقية. خلال الحرب الروسية الأوكرانية، شهدت أوروبا قرارات غير مسبوقة: إطفاء إضاءة المعالم السياحية، تقليل ساعات العمل، خفض استهلاك الطاقة في المنازل، وحتى فرض قيود على التدفئة. لم يخرج المواطن الأوروبي معترضًا، بل تفهّم أن الحفاظ على الدولة يتطلب تضحية مؤقتة.
إذن، لماذا نستغرب أن تُطبق مصر إجراءات مشابهة؟ بل على العكس، هذا دليل على أن الدولة تتحرك بعقلية واعية، تراقب المشهد العالمي وتستعد له، لا تنتظر أن تُفرض عليها الحلول تحت ضغط الأزمة.
القرار ليس موجهًا ضد أحد، وليس الهدف منه التضييق على المواطنين أو أصحاب المحال، بل هو محاولة لضبط الإيقاع العام بما يتناسب مع الظروف الحالية. نعم، قد تتأثر بعض الأنشطة التجارية، وقد يضطر البعض لتغيير نمط حياته، لكن هذه التغييرات تظل محدودة ومؤقتة إذا ما قورنت بحجم المخاطر التي يمكن تجنبها.
والأهم من القرار ذاته، هو الدور الذي يجب أن يلعبه كل فرد في المجتمع. فترشيد الكهرباء لا يبدأ ولا ينتهي عند قرار حكومي، بل يبدأ من داخل كل منزل، وكل محل، وكل شارع. حين نطفئ الإضاءة غير الضرورية، حين نقلل من الاستخدام المفرط للأجهزة الكهربائية، نحن لا نوفر في فاتورة فقط، بل نشارك في حماية شبكة كاملة، وفي دعم استقرار بلد.
علينا أن ندرك أن المسؤولية لم تعد حكرًا على الحكومة وحدها. نحن شركاء في إدارة الأزمة، وشركاء في النجاح أيضًا. الدعم الحقيقي لا يكون بالكلام فقط، بل بالسلوك والالتزام.
ربما يكون من السهل أن ننتقد أو نرفض، لكن الأصعب — والأهم — هو أن نفهم ونتحمل. لأن الدول لا تُبنى بالراحة، بل بالوعي. ولا تستمر بالقوة فقط، بل بحسن الإدارة.
إن إطفاء بعض الأنوار اليوم، هو في حقيقته إضاءة لطريق أكثر أمانًا في الغد. هو رسالة بأن مصر لا تنتظر الأزمات، بل تسبقها. لا تنكر التحديات، بل تواجهها بعقلانية.
وفي النهاية، يبقى السؤال الحقيقي:
هل نختار أن نكون جزءًا من المشكلة… أم جزءًا من الحل؟
الإجابة تبدأ من مفتاح كهرباء……



