
تشهد العمليات العسكرية الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية تصاعدًا خطيرًا، إذ ضرب سلاح الجو الإسرائيلي الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق واسعة من الجنوب والبقاع، ما ينذر بمرحلة جديدة من عدم الاستقرار على الساحة اللبنانية التي لم تهدأ بعد.
وأعادت صور الدمار الكبير في جنوب لبنان إلى الأذهان مشاهد السنوات الأكثر قسوة في تاريخ البلاد، مع تواصل الغارات الإسرائيلية واتساع حركة النزوح شمالًا من القرى والبلدات الحدودية.
وبحسب رويترز، طلب الجيش الإسرائيلي من سكان شريط واسع في الجنوب الانتقال فورًا إلى شمال نهر الليطاني، فيما قالت الأمم المتحدة إن قرابة 60 ألف شخص فروا من القتال، إضافة إلى عشرات الآلاف الذين كانوا نازحين أصلًا منذ حرب 2024.
وشن حزب الله هجومًا على إسرائيل قال إنه جاء ردًا على مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، وهو ما تبعته ضربات إسرائيلية واسعة على الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق أخرى في البلاد.
وقالت رويترز إن الطرق امتلأت بالنازحين الفارين من المناطق المستهدفة، بينما أفادت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بأن ما لا يقل عن 30 ألف شخص لجأوا إلى مراكز إيواء خلال الأيام الأولى من التصعيد.
وفي بيروت، لم يعد الجدل محصورًا في الكلفة الإنسانية والميدانية، بل تمدد إلى صلب النظام السياسي.
فقد أعلن رئيس الوزراء نواف سلام أن الحكومة قررت حظر الأنشطة العسكرية لحزب الله، في خطوة وصفتها رويترز بأنها تعكس تحولًا دراماتيكيًا في ميزان القوى الداخلي بعد الضربات التي تلقاها الحزب خلال حرب 2024.
كما قالت الوكالة إن القرار يضع مرة أخرى مسألة حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم بيد الدولة في قلب السجال اللبناني.
وتشير المعطيات السياسية المتداولة إلى أن قرار الحزب فتح جبهة جديدة دعمًا لإيران عمّق عزلته داخل لبنان، حتى في أوساط كانت تُعد تقليديًا أقل ميلًا إلى انتقاده علنًا.
وذكرت رويترز أن الهجوم تسبب في توتر مع رئيس البرلمان نبيه بري، حليف الحزب الأبرز داخل المعادلة الشيعية، كما نقلت عن مصادر سياسية وأمنية أن معظم القيادات السياسية في الحزب لم تكن على علم مسبق بقرار الهجوم، ما ترك بعضها في حالة ارتباك. وأضافت الوكالة أن الحزب واجه انتقادات داخلية لأنه بدا وكأنه يضع مصالح إيران أولًا.
وفي موازاة ذلك، بدأت تتصاعد مواقف لنواب وسياسيين لبنانيين تدعو إلى ترجمة قرار الحكومة إلى خطوات تنفيذية واضحة. ونقلت الحرة عن النائبة سينتيا زرازير قولها إن قرار الحكومة كان “ضعيفًا وخجولًا”، فيما اعتبرت النائبة غادة أيوب أن القرار يكرس مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة، مع تركيز الأنظار على آلية التنفيذ لا على النص وحده. وتعكس هذه المواقف اتجاهًا أوسع داخل الساحة اللبنانية يرى أن كلفة أي انخراط عسكري يتجاوز مؤسسات الدولة لم تعد تحتملها البلاد سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا.
كذلك ألقى التصعيد بظلاله على الاستحقاقات السياسية نفسها. فقد قالت رويترز إن القادة اللبنانيين اتفقوا على خطة لتأجيل الانتخابات البرلمانية المقررة في مايو/أيار، وتمديد ولاية البرلمان لعامين، على أن يحتاج ذلك إلى موافقة أغلبية المجلس. ويعكس هذا التوجه حجم الارتباك الذي أصاب المؤسسات مع تمدد الحرب، ويظهر أن الأزمة لم تعد محصورة في الجنوب وحده، بل باتت تمس الإيقاع الدستوري والسياسي في البلاد.
وفي المشهد العام، لا تبدو المسألة بالنسبة إلى كثير من اللبنانيين مجرد جولة تصعيد جديدة، بل اختبارًا جديدًا للنظام السياسي في البلاد، الذي يجد نفسه أمام لحظة مفصلية يتداخل فيها سؤال الأمن مع سؤال السيادة، ومع قدرة الدولة على استعادة القرار من خارج مؤسساتها.



