صحف وتقارير

تقارُب مِصري ليبي يعيد رسم خريطة التعاون الإقليمي

عبدالله عادل عبدالله

 

 

في لحظة إقليمية شديدة التعقيد ، حيث تتداخل ملفات الطاقة مع حسابات الأمن القومي ، برزت خلال الساعات الماضية ملامح حوار متسارع بين مصر وليبيا بشأن توريد الغاز بأنواعه إلى القاهرة ، في خطوة تعكس تحوُّلًا لافتًا في مسار العلاقات الاقتصادية بين البلدين .

هذا التحرك لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الأوسع ، فمصر التي تسعىٰ إلىٰ تأمين احتياجاتها من الطاقة عِبر تنويع مصادرها ، تُدرك جيدًا أن الجغرافيا تفرض واقعًا لا يمكن تجاهله ، حيث تُمَثِّل ليبيا أحد أقرب وأهم الخيارات الاستراتيجية الممكنة ، سواء من حيث الموقع أو الإمكانات غير المستغلة حتىٰ الآن .

وعلى الجانب الآخر ؛ تبدو ليبيا أمام فرصة حقيقية لإعادة تفعيل دورها كمصدر مهم للطاقة في المنطقة ، خاصةَّ في ظل سعيِّها لفتح قنوات اقتصادية مستقرة تعزز من مواردها وتدعم مسار التعافي الداخلي ، الذي لا يزال يواجه تحديات سياسية وهيكلية مُعقدة .

لكن اللَّافت في هذا المشهد لم يكن فقط طبيعة التحركات الرسمية ، بل ما أفرزته الساعات الأخيرة من تفاعل شعبي ليبي واسع يميل إلى الترحيب بهذه الخطوة ، وهو ما يعكس إدراكًا متزايدًا داخل الشارع الليبي لأهمية الانفتاح علىٰ مصر كشريك استراتيجي موثوق .

فقد عبَّر العديد من النشطاء والمواطنين الليبيين عبر منصات التواصل عن دعمهم لفكرة تصدير الغاز إلىٰ مصر ، معتبرين أن ذلك يمثل / تعزيزًا للاقتصاد الوطني وفتحًا لمصادر دخل جديدة ودعمًا للاستقرار عبر شراكات إقليمية حقيقية واستثمارًا في علاقات تاريخية تتجاوز الخلافات السياسية المؤقتة .

كما تَضَمَّن هذا التفاعل الشعبي إشارات واضحة إلىٰ تقدير قطاع واسع من الليبيين للدور المصري خلال السنوات الماضية ، خاصةَّ فيما يتعلق بمساندة الدولة الليبية في حماية مقدراتها ، والتصدي لمخاطر الإرهاب ، والحفاظ على تماسك مؤسساتها في ظل ظروف شديدة التعقيد .

وقد استحضر كثيرون في هذا السياق المواقف الحاسمة والخطوط الحمراء التي أعلنتها مصر ، والتي اعتُبرت من وجهة نظرهم عامل توازن مهم ساهم في منع انزلاق ليبيا إلىٰ سيناريوهات أكثر خطورة ، ووقف محاولات اختراقها من قِبل بعض الأطراف ذات الطموحات التوسعية أو النزعات ذات الطابع الاستعماري ، خاصةَّ في مرحلة ما بعد سقوط نظام معمر القذافي .

بل إن بعض الآراء ذهبت إلى أبعد من ذلك حيث رأت أن التعاون مع مصر يمكن أن يشكل مدخلًا لإعادة توحيد الرؤية الاقتصادية داخل ليبيا نفسها ، من خلال مشاريع عابرة للانقسام السياسي القائم .

ورغم هذا الزَخَم الإيجابي ، تبقىٰ التحديات قائمة ، إذ لا يمكن تجاهل تعقيدات المشهد الليبي الداخلي ، حيث تتداخل اعتبارات السيادة ، وتوزيع العوائد ، ومراكز النفوذ بين الشرق والغرب ، وهي عوامل قد تلقي بظلالها على سرعة تحويل هذه التفاهمات إلىٰ اتفاقات فعلية على الأرض .

إضافه إلى ذلك ؛ فإن ملف الطاقة الليبي يظل ساحة مفتوحة لتقاطعات إقليمية ودولية ، ما يجعل أي تحرك فيه محسوبًا بدقه ، ويخضع لمعادلات تتجاوز حدود القرار الثنائي بين القاهرة وطرابلس .

ومع ذلك فإن ما يحدث اليوم يمثل إشارة واضحة إلىٰ أن المنطقة بصدد إعادة تشكيل أولوياتها ، حيث لم تعد العلاقات تُبنىٰ فقط علىٰ الاعتبارات السياسية التقليدية ، بل باتت المصالح الاقتصادية ، وعلىٰ رأسها الطاقة ، هي المحرك الأبرز لإعادة رسم خريطة التحالفات .

إن التقارب المصري الليبي في هذا الملف ، إذا ما كُتب له الاستمرار ، قد لا يكون مجرد اتفاق لتوريد الغاز ، بل بداية لمرحلة جديدة من التكامل الإقليمي ، تقوم علىٰ تبادل المصالح وبناء الاستقرار عبر الاقتصاد ، لا عبر الصراع .

وفي عالم تتغير موازينه بسرعة ، تبقىٰ مثل هذه التحركات مؤشرات علىٰ أن الدول التي تُحسن قراءة اللحظة ، هي وحدها القادرة على صناعة مستقبلها .

تقارُب مِصري ليبي يعيد رسم خريطة التعاون الإقليمي

 

تقارُب مِصري ليبي يعيد رسم خريطة التعاون الإقليمي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock