
في لحظة إقليمية شديدة التعقيد ، حيث تتداخل ملفات الطاقة مع حسابات الأمن القومي ، برزت خلال الساعات الماضية ملامح حوار متسارع بين مصر وليبيا بشأن توريد الغاز بأنواعه إلى القاهرة ، في خطوة تعكس تحوُّلًا لافتًا في مسار العلاقات الاقتصادية بين البلدين .
هذا التحرك لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الأوسع ، فمصر التي تسعىٰ إلىٰ تأمين احتياجاتها من الطاقة عِبر تنويع مصادرها ، تُدرك جيدًا أن الجغرافيا تفرض واقعًا لا يمكن تجاهله ، حيث تُمَثِّل ليبيا أحد أقرب وأهم الخيارات الاستراتيجية الممكنة ، سواء من حيث الموقع أو الإمكانات غير المستغلة حتىٰ الآن .
وعلى الجانب الآخر ؛ تبدو ليبيا أمام فرصة حقيقية لإعادة تفعيل دورها كمصدر مهم للطاقة في المنطقة ، خاصةَّ في ظل سعيِّها لفتح قنوات اقتصادية مستقرة تعزز من مواردها وتدعم مسار التعافي الداخلي ، الذي لا يزال يواجه تحديات سياسية وهيكلية مُعقدة .
لكن اللَّافت في هذا المشهد لم يكن فقط طبيعة التحركات الرسمية ، بل ما أفرزته الساعات الأخيرة من تفاعل شعبي ليبي واسع يميل إلى الترحيب بهذه الخطوة ، وهو ما يعكس إدراكًا متزايدًا داخل الشارع الليبي لأهمية الانفتاح علىٰ مصر كشريك استراتيجي موثوق .
فقد عبَّر العديد من النشطاء والمواطنين الليبيين عبر منصات التواصل عن دعمهم لفكرة تصدير الغاز إلىٰ مصر ، معتبرين أن ذلك يمثل / تعزيزًا للاقتصاد الوطني وفتحًا لمصادر دخل جديدة ودعمًا للاستقرار عبر شراكات إقليمية حقيقية واستثمارًا في علاقات تاريخية تتجاوز الخلافات السياسية المؤقتة .
كما تَضَمَّن هذا التفاعل الشعبي إشارات واضحة إلىٰ تقدير قطاع واسع من الليبيين للدور المصري خلال السنوات الماضية ، خاصةَّ فيما يتعلق بمساندة الدولة الليبية في حماية مقدراتها ، والتصدي لمخاطر الإرهاب ، والحفاظ على تماسك مؤسساتها في ظل ظروف شديدة التعقيد .
وقد استحضر كثيرون في هذا السياق المواقف الحاسمة والخطوط الحمراء التي أعلنتها مصر ، والتي اعتُبرت من وجهة نظرهم عامل توازن مهم ساهم في منع انزلاق ليبيا إلىٰ سيناريوهات أكثر خطورة ، ووقف محاولات اختراقها من قِبل بعض الأطراف ذات الطموحات التوسعية أو النزعات ذات الطابع الاستعماري ، خاصةَّ في مرحلة ما بعد سقوط نظام معمر القذافي .
بل إن بعض الآراء ذهبت إلى أبعد من ذلك حيث رأت أن التعاون مع مصر يمكن أن يشكل مدخلًا لإعادة توحيد الرؤية الاقتصادية داخل ليبيا نفسها ، من خلال مشاريع عابرة للانقسام السياسي القائم .
ورغم هذا الزَخَم الإيجابي ، تبقىٰ التحديات قائمة ، إذ لا يمكن تجاهل تعقيدات المشهد الليبي الداخلي ، حيث تتداخل اعتبارات السيادة ، وتوزيع العوائد ، ومراكز النفوذ بين الشرق والغرب ، وهي عوامل قد تلقي بظلالها على سرعة تحويل هذه التفاهمات إلىٰ اتفاقات فعلية على الأرض .
إضافه إلى ذلك ؛ فإن ملف الطاقة الليبي يظل ساحة مفتوحة لتقاطعات إقليمية ودولية ، ما يجعل أي تحرك فيه محسوبًا بدقه ، ويخضع لمعادلات تتجاوز حدود القرار الثنائي بين القاهرة وطرابلس .
ومع ذلك فإن ما يحدث اليوم يمثل إشارة واضحة إلىٰ أن المنطقة بصدد إعادة تشكيل أولوياتها ، حيث لم تعد العلاقات تُبنىٰ فقط علىٰ الاعتبارات السياسية التقليدية ، بل باتت المصالح الاقتصادية ، وعلىٰ رأسها الطاقة ، هي المحرك الأبرز لإعادة رسم خريطة التحالفات .
إن التقارب المصري الليبي في هذا الملف ، إذا ما كُتب له الاستمرار ، قد لا يكون مجرد اتفاق لتوريد الغاز ، بل بداية لمرحلة جديدة من التكامل الإقليمي ، تقوم علىٰ تبادل المصالح وبناء الاستقرار عبر الاقتصاد ، لا عبر الصراع .
وفي عالم تتغير موازينه بسرعة ، تبقىٰ مثل هذه التحركات مؤشرات علىٰ أن الدول التي تُحسن قراءة اللحظة ، هي وحدها القادرة على صناعة مستقبلها .
تقارُب مِصري ليبي يعيد رسم خريطة التعاون الإقليمي




