مقالات وآراء

تقنيات تحسين استرداد النفط في الحقول الناضجة

بقلم: د. نبيل سامح

تُعد المكامن النفطية والغازية تجمعات طبيعية من الهيدروكربونات المحتجزة في الصخور المسامية.

خلال عمر المكمن، يكون الإنتاج الأولي غالبًا نتيجة الاسترداد الأساسي، المدفوع أساسًا بالضغط الطبيعي للمكمن.

ومع استمرار الإنتاج، تتناقص هذه الضغوط، مما يستدعي استخدام أساليب الاسترداد الثانوي مثل حقن المياه (Water Flooding). ومع ذلك، يظل جزء كبير من النفط الأصلي في المكمن غير مسترد. لذلك، تُعد تقنيات تحسين استرداد النفط (Enhanced Oil Recovery – EOR) ضرورية لزيادة كفاءة الاسترداد في الحقول الناضجة وتمديد عمرها الإنتاجي.

تشمل تقنيات EOR مجموعة متنوعة من الاستراتيجيات التي تهدف إلى زيادة كفاءة دفع الهيدروكربونات من المكمن. ويمكن تصنيف هذه الأساليب إلى ثلاث فئات رئيسية: الطرق الحرارية، والطرق الكيميائية، وطرق حقن الغازات.

1. تقنيات الاسترداد الحراري
تركز التقنيات الحرارية على تقليل لزوجة النفط، مما يسهل تدفق الهيدروكربونات المحاصرة نحو الآبار المنتجة. وتكون هذه الطرق فعالة بشكل خاص في المكامن التي تحتوي على النفط الثقيل أو البيتومين.

1.1 حقن البخار (Steam Injection)
يُعد حقن البخار أكثر طرق EOR الحرارية شيوعًا. يتضمن هذا الأسلوب حقن البخار عالي الحرارة في المكمن، مما يسخن النفط ويقلل لزوجته ويحسن حركته.

يمكن إدخال البخار بشكل مستمر (Steam Flooding) أو بشكل دوري (Cyclic Steam Stimulation) حسب خصائص المكمن.

حقن البخار المستمر (Steam Flooding): يتم حقن البخار بشكل مستمر للحفاظ على جبهة حرارية تدفع النفط نحو الآبار المنتجة.

التحفيز البخاري الدوري (Cyclic Steam Stimulation): يشمل حقن البخار لفترات متقطعة، يليها نقع النفط وإنتاجه من نفس البئر.

1.2 الاحتراق في الموقع (In-Situ Combustion)
يسمى أيضًا الحقن بالنار (Fire Flooding)، ويتضمن إشعال جزء من المكمن لتوليد الحرارة داخله. تنتشر جبهة الاحتراق عبر المكمن، مما يقلل لزوجة النفط ويخلق ضغطًا يدفع النفط نحو الآبار المنتجة. وعلى الرغم من تحدياتها التقنية، فإنها فعالة في المكامن ذات النفط الثقيل حيث قد تكون الطرق الحرارية الأخرى أقل جدوى.

 

تقنيات تحسين استرداد النفط في الحقول الناضجة

2. تحسين الاسترداد الكيميائي
تركز الأساليب الكيميائية على تعديل خصائص السوائل وتحسين كفاءة الدفع.

تكون هذه الطرق مفيدة بشكل خاص في المكامن حيث يترك حقن المياه جزءًا كبيرًا من النفط دون استرداد بسبب تباين النفاذية أو نسب الحركة غير المناسبة.

2.1 حقن البوليمرات (Polymer Flooding)
يتضمن إضافة بوليمرات قابلة للذوبان في الماء إلى المياه المحقونة لزيادة لزوجتها. تعمل اللزوجة المحسّنة على تحسين نسبة الحركة بين الماء المدفوع والنفط، مما يزيد من كفاءة دفع النفط ويقلل من تجاوز الماء للمناطق الغنية بالنفط.

2.2 حقن المواد الفاعلة سطحيًا (Surfactant Flooding)
تستخدم المواد الفاعلة سطحياً لتقليل التوتر السطحي بين النفط والماء (Interfacial Tension – IFT).

يقلل انخفاض التوتر السطحي من النفط المحاصر ويسهل تحريكه نحو الآبار المنتجة.

غالبًا ما تُستخدم المواد الفاعلة سطحياً مع البوليمرات لتحقيق أقصى كفاءة على المستويين الجزئي والكلي.

2.3 الحقن القلوي (Alkaline Flooding)
يتضمن حقن محاليل قلوية للتفاعل مع المكونات الحمضية في النفط الخام، مما يولد مواد فاعلة سطحية داخل المكمن. تعمل هذه التفاعلات على تقليل التوتر السطحي وتحسين دفع النفط، خصوصًا في المكامن ذات اللزوجة المعتدلة.

3. طرق حقن الغازات
تُعد حقن الغازات إحدى استراتيجيات EOR الشائعة، خاصة في الحقول الناضجة ذات الضغط المتناقص. يمكن أن تكون الغازات المحقونة قابلة للامتزاج أو غير قابلة للامتزاج مع النفط.

3.1 حقن ثاني أكسيد الكربون (CO₂ Injection)
يُعد حقن CO₂ من أكثر طرق EOR استخدامًا عالميًا. عند ذوبان CO₂ في النفط، يحدث تورم للنفط وانخفاض لزوجته، مما يحسن تدفقه. يحدث الحقن القابل للامتزاج عندما يمتزج الغاز تمامًا مع النفط، بينما يحدث الحقن غير القابل للامتزاج عندما يختلط جزئيًا فقط. يُستخدم CO₂ بفعالية في المكامن الخفيفة والمتوسطة.

3.2 حقن الغازات الهيدروكربونية (Hydrocarbon Gas Injection)
يمكن حقن غازات هيدروكربونية مثل الغاز الطبيعي أو الميثان المخصب للحفاظ على ضغط المكمن وتحسين دفع النفط. يمكن تنفيذ الحقن بطرق قابلة للامتزاج أو غير قابلة للامتزاج حسب خصائص المكمن.

3.3 حقن النيتروجين (Nitrogen Injection)
يُستخدم النيتروجين بشكل أساسي للحفاظ على ضغط المكمن في الحقول الناضجة. وعلى الرغم من عدم امتزاجه مع النفط، فإنه يساهم في دفع النفط نحو الآبار المنتجة ويقلل من تكوين فقاعات الغاز في المكمن.

4. تقنيات أخرى لتحسين الاسترداد
تشمل الأساليب المتقدمة الأخرى الطرق الحرارية-الكيميائية والتقنيات الناشئة مثل استخدام النانو:
الطرق الحرارية-الكيميائية: تجمع بين الحرارة والمواد الكيميائية لتعظيم حركة النفط وكفاءة الدفع.
تحسين الاسترداد بمساعدة الجسيمات النانوية: تستفيد من الجسيمات النانوية لتغيير الرطوبة، وتقليل التوتر السطحي، وزيادة كفاءة الدفع.
رغم أن هذه التقنيات لا تزال في مراحل البحث أو التطبيق المبكر، إلا أنها تحمل وعودًا كبيرة للمكامن الصعبة التي لا تستجيب للطرق التقليدية.

5. تحديات تطبيق EOR
على الرغم من قدرة EOR على زيادة الاسترداد، إلا أنها تواجه عدة تحديات:
ارتفاع التكاليف التشغيلية: غالبًا ما تتطلب الطرق الحرارية والكيميائية استثمارات كبيرة للطاقة والمعدات.
تباين المكامن: الاختلاف في النفاذية والمسامية يقلل من كفاءة الدفع ويترك مناطق غير مستغلة.
الاعتبارات البيئية: يجب إدارة استخدام المياه، والتعامل مع المواد الكيميائية، وانبعاثات CO₂ بعناية.
القيود التقنية: ليست كل المكامن مناسبة لجميع أساليب EOR، ويتطلب اختيار الطريقة معرفة دقيقة بالمكمن.
يتطلب تطبيق EOR الناجح تقييمًا شاملاً للمكمن، وتصميمًا مناسبًا لخطط الحقن والإنتاج، ومراقبة مستمرة لتحسين الاسترداد.

6. الاتجاهات المستقبلية في EOR
يتشكل مستقبل تحسين الاسترداد عبر الاستدامة، والرقمنة، والابتكار. ومن الاتجاهات الرئيسية:
الدمج مع الذكاء الاصطناعي: لتحسين استراتيجيات الحقن والتنبؤ بسلوك المكمن.
إدارة الكربون: دمج EOR باستخدام CO₂ مع برامج احتجاز وتخزين الكربون لتحقيق الاسترداد وتحقيق المنافع البيئية.
تطوير مواد كيميائية متقدمة: استخدام بوليمرات ومواد فاعلة سطحية قابلة للتحلل وصديقة للبيئة.
تقنيات النانو: استغلال الجسيمات النانوية لتعزيز كفاءة الدفع في المكامن الصعبة.
تهدف هذه الاتجاهات إلى جعل EOR أكثر فعالية من حيث التكلفة، ومسؤولية بيئية، وكفاءة فنية للحقول الناضجة حول العالم.

الخاتمة
تُعد تقنيات تحسين استرداد النفط ضرورية لتعظيم استرجاع الهيدروكربونات من الحقول الناضجة. تشكل الطرق الحرارية، والحقن الكيميائي، وحقن الغازات الركائز الأساسية لهذه العملية، كل منها يتوافق مع خصائص المكمن المحددة.
رغم التحديات مثل ارتفاع التكاليف، والتأثير البيئي، وتباين المكامن، يمكن للتخطيط الجيد ودمج التقنيات أن يخفف هذه المشاكل.
يتركز مستقبل EOR على الابتكار، بما في ذلك العمليات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والاستخدام المستدام للمواد الكيميائية، وتطبيقات الجسيمات النانوية المتقدمة. من خلال تطبيق هذه الاستراتيجيات، يمكن للمشغلين زيادة استرداد النفط بشكل كبير، وتمديد عمر الحقل الإنتاجي، وتحقيق التوازن بين الكفاءة الاقتصادية والمسؤولية البيئية.
باختصار، لا يُعد EOR مجرد أداة لاستخراج النفط المتبقي، بل هو عنصر أساسي في إدارة المكامن الحديثة يجمع بين العلم والهندسة والتخطيط الاستراتيجي لضمان الأداء الأمثل للحقول.

بقلم د. نبيل سامح
-مدير تطوير الأعمال في شركة نيلكو
-مدرب بترول دولي معتمد
-أستاذ في عدة شركات تدريب واستشارات أكاديمية، بما في ذلك Enviro Oil وZAD Academy وDeep Horizon، إلخ
-محاضر في جامعات داخل مصر وخارجها
-مساهم في مقالات القطاع النفطي لمجلات مثل
Petrocraft وPetrotoday و غيرها

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock