
من رواية نبي الظلام.
تشقّقت السماء الدنيا في ذلك اليوم عن ثلاثةٍ من الملائكة الغلاظ الشداد، يتقدّمهم الملاك جبريل؛ فنزل كلُّ واحدٍ منهم على طرفٍ من أطراف الأرض، حتى أطبقت كقبضةٍ واحدة،
لا مفر يومئذ. ارتجّت السماء والأرض، والملك الشيطان في مجلس الحاكم الأعلى للعالم، الذي اعتلاه منذ هبوطه، وسخّره خفيةً للتحكّم بملوك البشر؛ فف شيزع فزعا لم يعرف له مثيلًا.
أمر أتباعه أن يحيطوه بالحمايةً، فتقاعس الجبناء وقد أبصروا الخوف في عيني كبيرهم. انطلق يعدو محاولا النفاذ عبر الأقطار ، فتقطعت به السبل، فلجأ إلى صراط البحر المظلم، وعبر الأنفاق والكهوف السحيقة، فانسدّت المسالك، فعاد يحتمي بمكّة لمكانتها عند الله.
آ الآن وقد عصيتَ قبل وكنت من الكافرين!
هناك تعلّق بأستار الوهم، وألصق ظهره بالنُّصُب الشيطاني، طامعًا في أن تمسّه دعوة إبراهيم لهذا البلد الأمين بشيءٍ من أمان، خوفا على نفسه التي تتناثر من بين ثناياه، ويده مغلولة إلى عنقه.
ركع أخيرًا أمام الإمام القائم، متوسّلًا ألا يجعله يموت؛ كما انحنى إسماعيل يوم الذبح تسليمًا. فهَوَى السيف المقدّس على النُّصُب، فانشقّ نصفين.
فرّ الشيطان إلى المشارق والمغارب، فرأى الأرض قد انكمشت حتى بدا أوّلها وآخرها في طرفة عين، وغاب امتدادها.
خرّ راكعًا يسأل الرحمة من الإله، ألا يموت ولا تسلب منه نفسه المغلولة في عنقه، غير أنّ اليوم يومُ فصل ولا رحمة فيه. قبض الإمام القائم على السيف، فقطّع أطرافه من خلاف، فحاول الشيطان كسب الوقت باستجماع قواه والولوج إلى عالم الجنّ، فرأى الملك القائم حاضرًا في كل موضع، والسيف المقدس بيده. لم يصدّق ما يرى وقال في نفسه هذا مستحيل خصوصا وأن الملك القائم لا يمكنه التواجد في أكثر من مكان وفي نفس الوقت.
استغاث وطلب الصفح والمغفرة والعفو.
فتبدّلت الأرض غير الأرض، وأفاق فإذا هو عند قدمي الإمام الخليفة المنتظر، بعدما سلّمه الملك القائم سيف النصر. مال وانحنى، وتحول إلى قوس، ثم انقسم وتكاثر، ولكونه شِمال فصار له جسدٌ مع كلّ نفسٍ من الجنّ والإنس والدوابّ، وظنّ أنّ الكثرة حصنُه الأخير.
فكيف سُيقتل برأيك؟
سار الإمام الخليفة المنتظر إلى مرقد آدم، فأشار فانحسر التراب، وظهر أوّل البشر. خرّ آدم ساجدًا يحسبها الساعة، فدنَا منه الإمام وأقامه، وأخبره أنّه بعثٌ لإنجاز وعدٍ مفعول.
ابتسم الإمام، ففهم آدم، وجثا على الأرض يبحث عن زوجه المرأة حواء، فقامت معه في اليوم الموعود.
أنبأ آدم ابنه الإمام بالطريق إلى مصرع إبليس؛ سرٌّ مودَع عن كيفية موت إبليس.
حين طُمِس سمع إبليس وبصره وعقله لما لعنه الإله في الجنّة، خرج مذءومًا مدحورًا، وصار شيطانًا مريدًا، ومن أشرّ الدوابّ أصمّ أبكم أعمى، لا يعقل سبيل الرشاد.
وفي هذا اليوم، أعاد الإمام الخليفة المنتظر إليه سمعه وبصره وعقله ولسانه بإذن الله، ليذيقه مرّ العذاب كاملا، ويتجرّع ما زرعته يداه.
أشار الإمام الخليفة المنتظر إلى الظلام فتجمّع في حيّزٍ واحد. عاد إبليس إلى هيئته الأولى، وعلم أنّ ميقات اليوم المعلوم قد حضر. وأمام آدم وحوّاء اللذان أخراجهما من الجنّة وأذاقهما من الموت، حرّك الإمام حروف اسم الله الأعظم،فانكشفت حقيقة إبليس، واسودّت الدنيا، وتصدّعت الأرض حتى انفتحت على صدعٍ عميقٍ يقود إلى العالم السفلي، يمتدّ من موضع النُّصُب إلى المسجد الحرام، هذا المكان يقبض على ما لا يخطر على عقل عاقل حيث يتوارى أتباع الظلام.
أوحى الرجل الخليفة آدم إلى الإمام الخليفة المنتظر أن يغرس سيف النصر في جوف الصدع؛ فأصاب قلب إبليس مباشرة، ودفعة واحدة شعر بآلام كل المخلوقات التي أُريقت دماؤها بسببه.
شاءت حكمة الله؛ أن حوصر قلب إبليس بشجرة الموت حيث أخفى إبليس قلبه عن العالمين حتى لا يموت، في عمق الصدع قرب النُّصُب، عند مدخل عالمه الأول. فأنزل الإله شجرة الموت التي ذاق منها الخليفة آدم، وغُرست هناك، فكان الموت أقرب إليه من حبل الوريد وهو لا يعلم. فأتاه الله من حيث لا يحتسب وهكذا اِنتقم الخليفة آدم من إبليس من خلال الإمام الخليفة المنتظر؛ فقتله وقتل ذريّته التي في الصدع، كما فعل به وبذريّته.
خسر الشيطان حربه ضد الإله، ووضَعت الحرب أوزارها وقُضي الأمر في اليوم؛ الذي اِكتمل فيه نزول الوحي يوم جمعة من يوم عرفة إلى صبيحة يوم السبت، يوم النحر ويوم موت الشيطان.
إن نزول آيات كتاب القرآن بشكل كامل إنتصارٌ محقّق للإله ولمحمد الرسول على الشيطان.



