مقالات وآراء

جلال الأنوثة وعزة النبوة: لقاء غير وجه القدر في حضرة الصيام 21

بقلم د-كامل عبد القوي النحاس

​الافتتاحية:
​إن الحكايات العظيمة في محكم التنزيل ليست مجرد سرد لمسارات تاريخية غابرة.
إنها مختبرات فلسفية كبرى تُمتحن فيها الأخلاق، وتُصاغ من خلالها القيم الإنسانية الرفيعة.

​قصة موسى عليه السلام مع الفتاتين في مدين تقدم لنا أنموذجاً خالداً لفلسفة الاستحقاق.
هنا تتبلور معايير القوة ككفاءة، والأمانة كنزاهة.
هنا تنكشف مخاطر الغفلة عن هذه الركائز في إدارة الوظائف والولايات.
إنها دعوة تأملية لإعادة بناء المجتمع على أسس من العدل المؤسسي، وتكريم المرأة في مكانها الطبيعي الذي يحفظ جلال أنوثتها، ضمن أطر الشريعة الحكيمة.

​الاستهلال:
​غادر موسى عليه السلام أرض مصر وهو خائف يترقب.
استجاب لنداء النصح الإلهي الذي ساقه على يد رجل صالح من أقصى المدينة يسعى قائلا:

فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ. (القصص 20)

​لم تكن رحلته مجرد هجرة مكانية، بل كانت ارتحالاً وجودياً نحو فهم قانون العدل والتمكين.
هنا انبلج درس الأخلاق العملية.
القوة بلا أمانة تغول وفوضى.
الأمانة بلا قوة خور وعجز.

والكفاءة في القيادة ليست ترفاً، بل هي ضرورة وجودية لتحقيق الاستقرار.

​عبر موسى الفيافي حافي القدمين. قطع المسافات حتى استقر به المسير عند بئر مدين.
هناك واجه اختباراً عميقاً كاشفاً لمعادن الرجال والنساء.
كانت تجربة حية لمفهوم المعروف الذي يُبذل لوجه الحق، بلا انتظار لثمن أو مقابل.

​الموضوع:

الدرس الأول: ملامح الخير وفلسفة الفقر إلى الله

عند بئر مدين، انزاح الستار عن مشهد فارق.
فتاتان تذودان غنمهما ( تمنع الغنم من ورود الماء) بصبر مهيب كى.
ترفعان لواء الحياء أمام زحام لا يراعي حرمة الضعفاء.
هنا سأل موسى بسؤال المستكشف لا الفضولي:

مَا خَطْبُكُمَا؟

فجاء الرد مكثفاً يفيض وقاراً:

لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ
(القصص 23)

​استجاب موسى بفروسية النبوة وسقى لهما. ثم انزوى إلى الظل داعياً بلسان الافتقار المطلق:

رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ. (القصص 24)

هذا الدعاء يجسد أرقى درجات عزة النفس. موسى، رغم حاجته الشديدة، لم يطلب أجراً من البشر.
طرق باب السماء أولاً. أعلن أن الفقر إلى الله هو المحرك الحقيقي للكرامة.
اليقين بأن المالك الأصلي هو من يسوق الأرزاق عبر قلوب الصالحين.
الدرس الثاني: فلسفة عمل المرأة بضوابط الحاجة والوقار
تضع هذه القصة الميثاق القرآني لعمل المرأة.
عمل محكوم بميزان المصلحة لا العبث، والوقار لا الابتذال.
جواز عمل المرأة مشروط بوجود حاجة حقيقية؛ إما حاجة ذاتية كعجز المنفق، أو حاجة مجتمعية لا يسد ثغرتها إلا هنّ.
​العمل في فلسفة الإسلام ليس غاية لتذويب الفوارق الفطرية، بل وسيلة كريمة تُمارس بضوابط صارمة:
•التناسب مع الأنوثة
• أن يكون العمل في طبيعته متسقاً مع جبلّة المرأة، فلا يُرهق بدنها بما لا تطيق، ولا يخدش حياءها بما لا يليق.
• صيانة الأمومة وتربية النشء
العمل حق، لكن الأمومة رسالة سيادية واجبة. لا ولايجوز لفرع المهنة أن يقطع أصل التربية.
• المجتمع الصالح يضمن للمرأة عملاً لا يعوق دورها التاريخي في تنشئة الأجيال.
• عدم الابتذال والمزاحمة
تجلت عظمة الفتاتين في الانتظار.
تجنبتا مخالطة الرجال أو مزاحمتهم في تدافع مادي يمحق مروءة الأنثى.
العمل الصالح هو الذي لا يُبتذل فيه جسد المرأة ولا كرامتها في سوق المنافسة العارية.
الدرس الثالث: القوة والأمانة وبصيرة الشيخ الكبير
نادت الابنة الصالحة:

يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ
(القصص 26)

وضعت بذلك قاعدة فلسفية سيادية:
القوة كفاءة فنية، والأمانة نزاهة أخلاقية.
هنا يبرز دور بصيرة القيادة. الشيخ الصالح لم يختبر موسى بشهادات ورقية. اختبره بالملاحظة والميدان. قرأ في سقي الماء قوته، وفي غض بصره أمانته.

إن استبدال الكفاءة بالمحسوبية مقامرة بمصير الأمم. القوة بلا أمانة استبداد، والأمانة بلا قوة ضياع.
وقد قرر القرآن القاعدة الكبرى في إدارة الشأن العام:

إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا
(النساء 58)
كما يحذر من ضياع البوصلة الأخلاقية:

وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ
(الحشر 19)
الدرس الرابع: الاختيار على مقتضى الصلاح وثقافة الإنتاج
فتح الأب الصالح باباً للزواج قائلاً:
إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ
(القصص 27)

هنا تحول المهر من عبء مالي يعيق الشباب إلى عقد إنتاجي. دفع موسى مهره من عرق جبينه وسنوات عمره ثماني حجج.
هذا يرسخ ثقافة تزويج الكفاءة، وتسهيل بناء البيوت على أساس القدرة على العمل لا رصيد البنك.
ولنا في التاريخ شواهد عدة،
فقد عرض الفاروق عمر بن الخطاب ابنته حفصة على أبي بكر الصديق ثم على عثمان بن عفان رضي الله عنهما، (صحيح البخاري، بحثاً عن الزوج الصالح.

كما أن السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها لما رأت أمانة النبي ﷺ في تجارته ألمحت بالرغبة في الزواج منه كما تذكر كتب السيرة.
وكذلك المرأة التي وهبت نفسها للنبي ﷺ (
صحيح البخاري)
تؤكد أن طلب الصلاح ليس نقصاً في الحياء، بل كمال في العقل وحسن في التدبير.

​الخاتمة:
•​بدأ موسى يومه خائفاً طريداً، وانتهى مستقراً مكفياً.
السر يكمن في معروف بذله لله دون انتظار ثناء.
• هذه القصة مختبر أخلاقي يثبت أن الإحسان والالتزام بمعايير القوة والأمانة هما سفينة النجاة الوحيدة، وهي التي ترسو بنا على شواطئ التمكين.

​التأمل:
• القوة بلا أمانة طغيان، والأمانة بلا قوة عجز.
• عمل المرأة ضرورة محكومة بالوقار، لا مزاحمة تمحق الخصوصية الفطرية.
• المهر استثمار في الإنسان الكفء، وليس صكاً للمبادلة المالية.
• المعروف الذي يُبذل لله يصنع أقداراً لا يتوقعها البشر.

​السؤال:
​كيف نُطهر مؤسساتنا وأسرنا من داء المحسوبية؟
كيف نعيد تفعيل ميزان القوي الأمين في كل قراراتنا المصيرية؟

​التوصية:
• ​اجعل من الصلاح والكفاءة بوصلتك الوحيدة في الحكم على الناس، وتذكر أن ميزان الكرامة الحقيقي هو ما قرره القرآن:
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ
(الحجرات 13)
•واعلم أن تمكين الأقوياء الأمناء هو الطريق الأصدق لنهضة الأمم واستقرار الأسر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock