دين ومجتمع

جواز تهنئة المسيحيين في مصر بأعيادهم

بقلم: د. كامل عبد القوي النحاس

 

دراسة فقهية في ضوء النصوص والمقاصد والسياق الحضاري

 

 

من علماء الأزهر الشريف

كاتب وباحث فى الفقه المقارن

مهتم بحقوق المواطنة والتعايش السلمى

 

تمهيد

 

لم تكن مسألة تهنئة المسيحيين بأعيادهم طارئة على الوجدان الإسلامي في مصر، ولا وافدة من خارج سياقها التاريخي أو الفقهي، بل هي متصلة اتصالًا وثيقًا بطبيعة العلاقة التي نشأت بين المسلمين والمسيحيين

 

منذ دخول الإسلام إلى مصر، واستقرت عبر القرون في صورة من التعايش والودّ والمشاركة الإنسانية التي لم تُلغِ خصوصية العقيدة، ولم تُذِب الفوارق الدينية، لكنها ضبطتها بميزان العدل والبرّ والإحسان.

 

ويكتسب السياق المصري خصوصية فريدة

 

فمصر ليست مجرد أرض، بل نسيج متفرد متين، يمثل سر البقاء والقوة والخلود للشعب وأهله، حيث تلتقي القيم الدينية والأخلاقية والتاريخية في وحدة وطنية لا تهزها الأزمات ولا تمزقها الفتن.

 

وقد أثارت هذه المسألة في الأزمنة المتأخرة جدلًا محتدمًا، غذّته قراءات منزوعة من سياقها، ونزعات متشددة تخلط بين الثوابت العقدية وآداب المعاشرة الإنسانية، حتى صُوِّرت التهنئة ـ وهي من باب البرّ وحسن الخلق ـ على أنها تنازل عن الدين أو إقرار بعقيدة الغير، وهو خلط لا يسنده نص ولا تاريخ ولا فقه معتبر.

 

أولاً: سنة التعارف والتعدد في القرآن الكريم

 

قرر القرآن الكريم مبدأ التعدد والتعارف بين البشر تقريرًا قطعيًا لا لبس فيه، فقال تعالى:

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13].

 

فالاختلاف في الدين أو العرق أو الثقافة ليس مدعاة للقطيعة أو الجفاء، بل مناسبة للتعارف والتواصل الإنساني المنضبط بقيم العدل والتقوى.

وهذا الأصل القرآني الحاكم لا يجوز تعطيله بدعاوى الغلو أو سوء الفهم، بل هو قاعدة ثابتة في التعامل الإنساني بين جميع الناس.

 

ثانياً: توجيه القرآن في معاملة غير المحاربين

 

جاء النص القرآني صريحًا في نفي الحرج عن البرّ والقسط مع غير المسلمين ممن لم يعتدوا ولم يحاربوا، فقال تعالى:

{لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8].

 

والبرّ هنا لفظ قرآني رفيع، استُعمل في أعظم صور الإحسان، كبرّ الوالدين. ولا يُعقل أن يُرخّص الله في البرّ ثم يُحرّم أبسط صوره الاجتماعية، كالكلمة الطيبة والتهنئة والمواساة، فهي امتداد طبيعي لمبدأ الإحسان اليومي الذي يرسخه القرآن.

 

ثالثاً: منزلة النصارى في الخطاب القرآني

 

خصّ القرآن النصارى بوصفٍ فريد في سياق الحديث عن العلاقات الوجدانية، فقال تعالى:

{وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} [المائدة: 82].

هذا الوصف نزل في سياق تفاعل إنساني واقعي، شهد بالودّ والقرب، لا بالعداء والتنابذ، وهو أساس معتبر لفهم طبيعة العلاقة مع المسيحيين في جميع العصور، ويمثل قاعدة لممارسة التهنئة والمواساة ضمن حدود العدل والبرّ.

 

رابعاً: المشتركات العقدية والأخلاقية

 

يؤمن المسلم بعيسى عليه السلام نبيًا كريمًا، وبالإنجيل الذي أنزله الله عليه، ويكفّر من سبّه أو انتقصه. وهذه المشتركات العقدية الكبرى تؤسس لأرضية احترام متبادل لا يمكن تجاوزها.

كما أن المنظومة الأخلاقية في أصلها واحدة: الصدق، الأمانة، العفة، وتحريم القتل والزنا والظلم، وهي قيم مشتركة لا ينكرها دين سماوي، وتشكل قاعدة لتعزيز الأخوّة الإنسانية والتعايش اليومي.

 

خامساً: دلالة الإباحة الشرعية في الطعام والزواج

 

أباح القرآن طعام أهل الكتاب وزواج نسائهم، فقال تعالى:

{الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۖ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [المائدة: 5].

إذا جاز الزواج، وهو أخصّ صور المودة والمعاشرة، وجاز الأكل من ذبائحهم، فكيف يُستكثر على المسلم كلمة تهنئة؟! بل إن الفقهاء أكدوا أن الزوج المسلم مطالب بتمكين زوجته الكتابية من أداء شعائر دينها داخل بيته، ما يدل على سعة الشريعة ورحابة مقاصدها.

 

سادساً: التهنئة لا تعني الإقرار العقدي

 

التهنئة فعل اجتماعي، لا عقدي، ومجرد قول المسلم لجاره المسيحي: “كل عام وأنت بخير”، لا يعني دخوله في المسيحية، كما أن تهنئة المسيحي للمسلم بعيد الفطر لا تجعله مسلمًا. هذا يوضح الخلط الشائع بين العقائد والمعاملات، وهو خلط أنكره العلماء قديمًا وحديثًا.

 

سابعاً: التاريخ المصري شاهد عدل

 

منذ دخول الإسلام مصر، استقبل المصريون المسيحيون الفتح الإسلامي، ودخل كثير منهم في الإسلام عبر القرون لا بالسيف، بل بالمعاملة الحسنة، والعدل، وحسن الجوار.

وعاشت الطائفتان في انصهار اجتماعي عميق: في العمل، والجوار، والأفراح، والأحزان، وتشاركوا الوطن والمصير، وسالت دماؤهم معًا دفاعًا عن أرض واحدة. هذه الشواهد التاريخية تُبرز أن التهاني والودّ بين الطوائف ليس بدعة، بل امتداد طبيعي لتقاليد المجتمع المصري، وهو ما يجعل التفرد الوطني والاجتماعي لمصر سر بقائها وقوتها وخلودها.

 

ثامناً: أخوّة الوطن والإنسانية

 

أخوّة الوطن حقيقة واقعة، وأخوّة الإنسانية أصل قرآني وأخلاقي، لا يناقض مبدأ: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [الكافرون: 6]، بل يؤكده، إذ يضبط العلاقة بلا ذوبان ولا صدام، ويضمن سلامة المجتمع ووحدته الوطنية.

خاتمة

إن تحريم تهنئة المسيحيين بأعيادهم قول شاذ عن روح الشريعة وعن مقاصدها، وعن تاريخ المسلمين في مصر، وهو أقرب إلى الغلو منه إلى الورع.

والصواب أن نُفرّق بين ثبات العقيدة وسعة الخلق، وأن ندرك أن الإسلام قوي بذاته، لا تهدده كلمة طيبة، ولا تزعزعه مشاركة إنسانية، بل يزداد بها حضورًا وعدلًا ونورًا.

وفي سياق مصر، يظل تفردها الوطني والاجتماعي سر البقاء والقوة والخلود للأمة المصرية، وميزة تضمن وحدة الوطن واستمرارية نسيجه الاجتماعي عبر القرون.

 

كل عام ومصر وأهلها بخير وسلام.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock