
لكل من يريد معرفة تفاصيل قصة جيفرى إبستين فإن الصورة الكاملة لا يمكن اختزالها فى عناوين مثيرة أو روايات متداولة عبر مواقع التواصل بل تحتاج إلى قراءة هادئة فى مسار قضية تعد من أكثر القضايا إثارة للجدل فى الولايات المتحدة خلال العقود الأخيرة
جيفرى إبستين هو رجل أعمال وممول أمريكى ولد فى العشرين من يناير عام 1953 وارتبط اسمه بعلاقات واسعة داخل دوائر المال والسياسة والمجتمع في نيويورك وواشنطن وفي السادس من يوليو عام 2019 ألقى القبض عليه بتهم تتعلق بالاتجار الجنسى بقاصرات وهى اتهامات أعادت فتح ملفات قديمة سبق التحقيق فيها قبل سنوات وأثارت عاصفة سياسية وإعلامية داخل الولايات المتحدة وخارجها
القضية لم تكن مجرد اتهام جنائى لشخص واحد بل تحولت إلى ملف عام بسبب شبكة العلاقات الواسعة التي أحاطت بإبستين حيث ظهرت صور ولقاءات جمعته بشخصيات سياسية واقتصادية وفنية بارزة من بينهم الرئيس الأمريكى الأسبق بيل كلينتون والرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب والرئيس الأمريكي الحالى جو بايدن والأمير الأمير أندرو إضافة إلى رجل الأعمال بيل جيتس وغيرهم من الأسماء التي وردت في سياق علاقات اجتماعية أو لقاءات موثقة دون أن يعني ذلك بالضرورة تورطهم الجنائى إذ إن مجرد الظهور فى سجلات أو صور لا يساوى إدانة قانونية
فى العاشر من أغسطس عام 2019 أعلنت السلطات الأمريكية العثور على إبستين متوفيا داخل محبسه فى مركز احتجاز اتحادى فى نيويورك وأفادت الرواية الرسمية بأنه انتحر إلا أن ملابسات الوفاة أثارت موجة واسعة من الشكوك والتساؤلات بسبب ما قيل عن قصور فى إجراءات المراقبة داخل السجن وهو ما غذى كما هائلا من نظريات المؤامرة والتكهنات
لاحقا ومع نهاية عام 2023 وبداية عام 2024 صدرت قرارات قضائية أمريكية تقضى بنشر دفعات من وثائق مرتبطة بالقضية تتضمن أسماء وردت فى سجلات التحقيق أو المراسلات أو قوائم الطيران الخاصة بطائرة إبستين غير أن القضاء الأمريكى أوضح أن ورود الاسم فى الوثائق لا يعنى ثبوت ارتكاب جريمة بل يعكس طبيعة شبكة العلاقات والتحقيقات الممتدة على مدار سنوات
قضية إبستين كشفت عن ثغرات خطيرة فى آليات المساءلة وحماية الضحايا وأعادت طرح أسئلة جوهرية حول النفوذ والسلطة وحدود القانون كما سلطت الضوء على خطورة تحويل القضايا الجنائية المعقدة إلى مادة للشائعات غير الموثقة فبين الحقائق القضائية المثبتة وبين الروايات غير المدعومة بأدلة مسافة يجب أن يملأها التحقيق القانوني لا الانفعال
إن التعامل مع هذا الملف يتطلب وعيا قانونيا وإعلاميا يفرق بين ما ثبت بحكم قضائي وما يزال في نطاق الادعاء أو التحليل فالقضية في جوهرها مأساة إنسانية لضحايا استغلال جنسي قبل أن تكون مادة لصراع سياسي أو إعلامي والتاريخ سيبقى شاهدا على واحدة من أكثر القضايا التي هزت صورة النخبة الأمريكية وأثارت نقاشا عالميا حول السلطة والعدالة



