
”
في زمن لم تعد فيه الحروب تُخاض فقط بالسلاح، بل بالكلمة والصورة والتغريدة، برزت ظاهرة “الذباب الإلكتروني” كأداة ضغط وتوجيه للرأي العام، تُستخدم في حملات منظمة تستهدف دولًا بعينها، وفي مقدمتها مصر، التي تواجه منذ سنوات موجات متكررة من التشويه الإعلامي ومحاولات تصدير صورة مغايرة لدورها الإقليمي.
خلال الفترة الأخيرة، تصاعدت حملات يقودها بعض الكُتّاب والإعلاميين المحسوبين على دوائر خليجية، تسعى إلى الترويج لفكرة تخلي مصر عن أشقائها، بل واتهامها ضمنيًا بالوقوف في مواقف لا تتسق مع تاريخها القومي. وهي اتهامات تتجاهل عمدًا حقائق ثابتة تؤكد أن القاهرة كانت ولا تزال في قلب معادلة الأمن القومي العربي.
الذباب الإلكتروني: صناعة الوهم وتزييف الوعي
تعتمد هذه الحملات على جيوش رقمية منظمة، تعمل على إعادة تدوير محتوى مضلل، واستخدام وسوم مدفوعة، واستغلال أي حدث سياسي لتضخيمه بشكل يخدم أجندات معينة. الهدف ليس فقط النقد، بل خلق حالة من الشك والبلبلة داخل المجتمعات العربية، وضرب الثقة في الدور المصري.
لكن اللافت أن هذه الحملات كثيرًا ما تفتقر إلى المصداقية، وتعتمد على اقتطاع تصريحات من سياقها أو تفسير مواقف دبلوماسية بحسن نية على أنها “تخاذل”، بينما هي في الحقيقة جزء من سياسة اتزان تهدف لتجنب التصعيد وحماية الاستقرار الإقليمي.
مصر تتحرك بثبات: الرد بالفعل لا بالانفعال
في مواجهة هذه الحملات، تتبنى مصر استراتيجية واضحة تقوم على العمل الهادئ والرد العملي.
فالقاهرة لم تنجر إلى مهاترات إعلامية، بل واصلت دورها في الوساطة، ودعم الاستقرار، وتقديم المساعدات، سواء في أوقات الأزمات أو الحروب.
كما عززت الدولة من أدواتها الإعلامية والرقمية، عبر توعية الرأي العام، وتقديم رواية موثقة تعتمد على الحقائق، مع إفساح المجال للإعلام الوطني للرد المهني على الادعاءات دون الانزلاق إلى خطاب عدائي.
مواقف عربية داعمة: الثقة لا تُصنع بالضجيج
على الجانب الآخر، جاءت ردود الفعل الرسمية من قيادات الدول العربية لتؤكد حجم التقدير للدور المصري.
فقد شددت عدة تصريحات رسمية على أن مصر تمثل ركيزة أساسية في استقرار المنطقة، وأن مواقفها تعكس دائمًا حرصًا على وحدة الصف العربي.
هذه المواقف لم تأتِ مجاملة، بل استنادًا إلى تاريخ طويل من الدعم المصري للأشقاء، بدءًا من الأزمات السياسية وصولًا إلى الكوارث الإنسانية، حيث كانت القاهرة دائمًا حاضرة بالفعل قبل القول.
بين الحقيقة والتشويه: معركة وعي مستمرة
ما يحدث اليوم ليس مجرد خلاف إعلامي، بل هو جزء من معركة أوسع تستهدف إعادة تشكيل وعي الشعوب العربية.
وهنا، يصبح الوعي المجتمعي هو خط الدفاع الأول، حيث لم تعد مسؤولية الدولة وحدها، بل مسؤولية كل مواطن يمتلك القدرة على التمييز بين الحقيقة والزيف.
فى تقديرى ، إن الحملات المنظمة ضد مصر، مهما بلغت حدتها، ستظل عاجزة عن طمس حقيقة ثابتة، وهي أن الدور المصري لا يُقاس بضجيج المنصات، بل بثقل التاريخ وواقعية الحاضر.
فالدول الكبرى لا تلتفت كثيرًا للاتهامات العارضة، بل تواصل أداء دورها بثقة.
ومصر، التي دفعت عبر تاريخها أثمانًا باهظة دفاعًا عن قضايا أمتها، لن تتخلى عن هذا الدور، ليس بدافع الشعارات، بل انطلاقًا من عقيدة راسخة بأن استقرار المنطقة هو امتداد مباشر لأمنها القومي.
في النهاية، قد تنجح حملات الذباب الإلكتروني في إثارة الجدل مؤقتًا، لكنها تفشل دائمًا في تغيير الحقائق… لأن ما يُبنى على الوهم لا يصمد أمام الحقيقة.



