
في خضم التحولات الجيوسياسية الكبرى التي تعيد تشكيل خارطة القوى العالمية، يبرز السؤال الجوهري حول طبيعة العلاقة بين القاهرة وأشقائها في الخليج. إن ما يطرحه معالي اللواء سامي دنيا ليس مجرد دفاع عاطفي عن الدور المصري، بل هو تشريح دقيق لواقع أمني معقد، يؤكد فيه أن مصر لم تكن يوماً “خياراً” في المعادلة العربية، بل هي “الضرورة” التي لولاها لانفرط عقد القومية بالكامل. تنطلق هذه الرؤية من حقيقة أن مصر هي “قلب الأمة”، ومن يظن أنها تخلت عن دورها لا يدرك عمق العقيدة العسكرية والسياسية للدولة المصرية التي ترى في أمن الخليج امتداداً طبيعياً لأمنها القومي.
تبدأ القراءة التحليلية للواء دنيا بفك الارتباط بين “الدعم المالي” و”التبعية السياسية”؛ فحين تذكر لغة الأرقام أن المساعدات والودائع الخليجية لمصر ناهزت الـ 100 مليار دولار خلال العقد الأخير، فإن المقارنة العادلة تقتضي النظر إلى ما أنفقه العالم العربي على التسلح والالتزامات الدولية تجاه القوى الغربية، والذي تجاوز 5 تريليونات دولار. هنا تبرز الرؤية العسكرية الثاقبة: إن ديون مصر الخارجية (حوالي 166 مليار دولار) تمثل رقماً ضئيلاً في حسابات التوازنات الكبرى. سداد هذا الرقم وتحرير الاقتصاد المصري ليس منحة، بل هو “استثمار سيادي” في قوة الجيش المصري؛ فمصر القوية بأسطولها من حاملات الطائرات والغواصات المتطورة، هي “الدرع” الذي يغني العرب عن الارتهان للقواعد الأجنبية التي لم تحقق الأمن المنشود، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى منصات لاستقطاب العداء الإقليمي، وجعلت العواصم العربية في مرمى النيران.
وينتقل اللواء سامي دنيا إلى المنطقة “المسكوت عنها” في العلاقات الأخوية، وهي ملفات العتب الاستراتيجي؛ حيث يرى أن القاهرة قدمت تضحيات جسيمة لم تُقابل دائماً بنفس القدر من الدعم في القضايا الوجودية. ففي الوقت الذي خاضت فيه مصر حرباً ضروساً ضد الإرهاب في سيناء (بدعم من قوى إقليمية أدت لاستنزاف بشري واقتصادي هائل)، وجدت نفسها وحيدة في مواجهة أزمات تمس شريان حياتها مثل “سد النهضة”، بل ورصدت استثمارات وتمويلات من بعض الأشقاء في الداخل الإثيوبي. يضاف إلى ذلك التوترات في السودان التي أثرت مباشرة على الحدود الجنوبية المصرية. ومع ذلك، بقيت العقيدة المصرية صلبة: مصر لا تبيع مواقفها، ولا تتخلى عن أشقائها مهما بلغت الضغوط، لأنها تدرك أن سقوط أي عاصمة عربية هو سقوط لجزء من الكرامة المصرية.
وفيما يخص التساؤل الملحّ: “نحارب من؟”، يضع اللواء دنيا خارطة طريق عقلانية؛ فالدخول في صدام عسكري مباشر مع إيران لخدمة أجندات “إسرائيلية-أمريكية” هو انتحار استراتيجي. البديل الحقيقي هو ما نادى به الرئيس عبد الفتاح السيسي مراراً: “جيش عربي موحد” و”دفاع مشترك” ينبع من قوة ذاتية. إن اللحظة الراهنة، مع انشغال أمريكا بصراعاتها الداخلية وضعف أوروبا وتآكل هيبة إسرائيل، تمثل “الفرصة الذهبية” للعرب. إن التكامل الذي يدعو إليه اللواء دنيا يبدأ من سيطرة العرب على ثرواتهم، وإنشاء سوق مشتركة، وعملة موحدة، وفتح الحدود اقتصادياً، مما يجعل الأمة العربية القوة الرابعة في العالم.
إن هذه الرؤية تخلص في جوهرها إلى أن التاريخ لن يرحم المترددين، فمصر بمكانتها العسكرية والخليج بثقله الاقتصادي يمثلان “جناحي الأمة” اللذين لا يمكن الطيران بدونهما. إن استعادة المشروع القومي الكبير تحت قيادة الدولة الأقوى عسكرياً (مصر) هو الكفيل بإنهاء مآسي سوريا واليمن وليبيا والسودان وفلسطين. هي صرخة لليقظة قبل فوات الأوان، فإما أن نكون “كتلة واحدة” تفرض إرادتها على العالم وتسترد هيبتها المفقودة، أو نظل دولاً متفرقة تتقاذفها مصالح القوى العظمى وتستنزف ثرواتها المشاريع الأجنبية.



