
أنا لا أكتب هذا المقال من باب التجني أو المبالغة، بل من واقع قراءة تاريخية وسياسية أراها ممتدة من الماضي إلى الحاضر.
أرى أن ما تعيشه الأمة الإسلامية اليوم لا يمكن فصله عن طبيعة الأنظمة التي نشأت في الخليج العربي، والظروف التي وُلدت فيها، والدور الذي تؤديه حتى هذه اللحظة.
أبدأ من الجذور؛ من لحظة انهيار الدولة العثمانية، حين تحالفت قوى محلية مع بريطانيا تحت مسمى “الثورة العربية الكبرى”. في تلك اللحظة، لم يكن الأمر مجرد تمرد على حكم قائم، بل كان – في تقديري – بوابة لتفكيك آخر كيان سياسي جامع للمسلمين.
أرى كيف تم التنسيق مع البريطانيين، ومع شخصيات مثل لورانس العرب، وكيف شاركت قوى وقبائل في قتال العثمانيين في الحجاز وبلاد الشام، حتى سقطت تلك الدولة، وبدأت مرحلة جديدة من الهيمنة الأجنبية.
ومن هنا، أرى أن الكيانات التي نشأت لاحقًا في الخليج لم تتشكل على أساس الاستقلال الكامل، بل تحت مظلة الحماية البريطانية، ثم الأمريكية لاحقًا.
وأعتقد أن هذه النشأة تركت أثرها العميق على طبيعة القرار السياسي، الذي ظل – في نظري – مرتبطًا بضمان بقاء الأنظمة مقابل الالتزام بخطوط رسمتها القوى الكبرى.
أنا أرى في الواقع الحالي امتدادًا مباشرًا لذلك الماضي؛ أرى تبعية سياسية واضحة، أراها في التحالفات، وفي القواعد العسكرية، وفي طبيعة القرارات الكبرى.
أرى خطوطًا حمراء لا يُسمح بتجاوزها: لا حديث حقيقي عن وحدة إسلامية، لا مشروع نهضوي مستقل، لا مواجهة جادة مع إسرائيل، بل العكس تمامًا، هرولة نحو التطبيع، وإعادة تعريف العدو والصديق وفق الرؤية الأمريكية.
لكن ما يثير قلقي بشكل أكبر هو الدور الذي أراه في دعم الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة في العالم الإسلامي.
أنا أرى أن دول الخليج لم تكن مجرد متفرج، بل كانت – في حالات عديدة – شريكًا مباشرًا أو داعمًا سياسيًا وماليًا.
أرى ذلك في الصومال، حين تُركت البلاد فريسة للفوضى والتدخلات، وفي أفغانستان، حيث امتدت الحرب لسنوات طويلة، ودُفعت أثمانها من دماء الشعوب، وفي باكستان التي وجدت نفسها في قلب صراع دولي معقد.
وأرى المشهد أكثر وضوحًا في العراق، حيث كانت الحرب كارثة كبرى أدت إلى تدمير دولة كاملة، ومع ذلك وجدت دعمًا أو صمتًا من بعض الأنظمة التي كان يفترض أن تقف موقفًا مختلفًا.
وأرى الأمر يتكرر في لبنان واليمن؛ في لبنان من خلال صراعات النفوذ والتأثير السياسي، وفي اليمن عبر حرب مستمرة أرهقت شعبًا بأكمله.
أنا أرى أن هذه السياسات لم تؤدِ إلى استقرار، بل زادت من الانقسام، وعمّقت الأزمات، وفتحت أبوابًا لصراعات لا تنتهي.
وأنا أرى كذلك أن أخطر ما حدث هو تغذية الانقسام داخل الأمة، عبر تأجيج الصراع السني الشيعي، حتى أصبح المسلم يواجه أخاه بدل أن تتوحد الجهود في مواجهة التحديات الحقيقية. هذا الانقسام – في نظري – لم يكن عفويًا، بل تم توظيفه سياسيًا ليخدم بقاء الأنظمة وتوازنات القوى الدولية.
ولا يمكنني أن أتجاهل ما أراه في الخطاب الديني الرسمي، حيث يتم – في كثير من الأحيان – تقديم نماذج تبرر الواقع وتدعو إلى الطاعة المطلقة، وتُحاصر أي دعوة إصلاح حقيقية. أشعر أن الدين في هذه الحالة يتحول من قوة تحرر إلى أداة ضبط، وهو أمر أراه بالغ الخطورة.
وفي الوقت نفسه، أرى مفارقة واضحة: إنفاق هائل لكسب رضا القوى الكبرى، وصفقات بمليارات الدولارات، مقابل دعم محدود يُقدم لبعض الدول العربية، ثم يُستخدم هذا الدعم كوسيلة للضغط أو التذكير بالفضل، وهو ما أراه إخلالًا بمفهوم التكامل الحقيقي بين الدول.
أنا لا أنكر وجود إنجازات اقتصادية أو تنموية في دول الخليج، لكنني أرى أن القضية أعمق من ذلك؛ إنها تتعلق بطبيعة الدور، وبالاتجاه العام للسياسات، وبمدى ارتباطها بمصالح الأمة أو ابتعادها عنها.
وفي النهاية، أكتب بوضوح: لا أرى نهضة حقيقية ممكنة في ظل هذا الواقع دون مراجعة جذرية، دون استقلال حقيقي في القرار، دون إعادة تعريف الأولويات.
أؤمن أن كرامة الأمة لا تُشترى، وأن الاستقلال لا يُمنح، وأن الطريق إلى العزة يبدأ بالوعي، ثم بالإرادة، ثم بالفعل الذي يضع مصلحة الشعوب فوق كل اعتبار.



