فن وثقافة

حكاية “بهية” والبيت الكبير

بقلم -محسن رجب

في حيّ عتيق يفوح برائحة الياسمين والتراب المبلل، كانت تقف “بهية”. سيدة ذات ملامح ملكية، لكن ثوبها قديم وأنهكته الرقاع. كانت بهية هي الأخت الكبرى، صاحبة البيت الواسع الذي لطالما آوى الجميع حين تشتد الرياح.
‏كانت السنوات العجاف قد نالت من جدران بيت بهية. تصدعت الجدران، وانطفأ قنديل الزيت في ردهة الاستقبال. في تلك الأثناء، كان إخوتها الصغار قد كبروا، واغتنت بيوتهم، وعلت أسوارهم.
‏ذات مساء، اجتمع الإخوة في وليمة كبيرة غابت عنها بهية. وبينما كانت الأطباق تلمع، تعالت بعض الهمسات الساخرة:
‏”انظروا إلى بيت بهية، لم يعد يسكنه غير الغبار.”
‏”لقد ولى زمنها، لم تعد تلك المعلمة التي كانت تقودنا.”
‏ضحك أحدهم ساخراً: “بهية تبيع أثاثها لتأكل، كيف نأخذ رأيها في شؤون الحي؟”
‏كانت الكلمات تصل إلى مسامع بهية عبر النوافذ المفتوحة. لم تبكِ، ولم تصرخ. بل قامت بمسح غبار السنين عن “كتاب التاريخ” القابع فوق الرف، وأشعلت شمعة صغيرة، وظلت تنتظر.
‏لم تدم سخرية القدر طويلاً. في ليلة حالكة، هبت عاصفة لم يشهدها الحي من قبل. زلزال سياسي واجتماعي ضرب الأبواب، واهتزت عروش البيوت المذهبة. وجد الإخوة أنفسهم في العراء؛ أموالهم لم تشترِ لهم الأمان، وأسوارهم العالية انهارت أمام ريح الغدر.
‏تعثر أحدهم في الظلام، ووجد نفسه يركض لا إرادياً نحو الزقاق القديم. خلفه تبعه البقية، يجرون خيباتهم وخوفهم. لم يجدوا أمامهم إلا باباً واحداً موارباً، يخرج منه ضوء شاحب لكنه دافئ.
‏دفعوا الباب بارتجاف. وجدوا بهية تجلس بهدوء، وقد أعدت قدراً كبيراً من الحساء الساخن، وكأنها كانت تعلم أنهم آتون.
‏ساد الصمت. خفض أحدهم رأسه خجلاً، وقال بصوت مخنوق:
‏”يا بهية.. لقد سخرنا من ثوبك الممزق، وظننا أننا استغنينا عنكِ بذهبنا، فما وجدنا اليوم ملجأً إلا صدرك.”
‏رفعت بهية رأسها بابتسامة فيها من الشموخ ما يكفي لإذابة الجليد. لم تذكرهم بكلماتهم الجارحة، ولم تطلب اعتذاراً. بل بسطت يدها المتعبة وقالت كلمتها التي خلدها الزمان:
‏”يا ولدي، الأم تمرض لكنها لا تموت.. وتجوع لكي يشبع أبناؤها، لكنها لا تبيع شرف بيتها أبداً. ادخلوا، فمصر لا توصد بابها في وجه من يحمل اسمها.”
‏في تلك الليلة، أدرك الجميع أن “بهية” ليست مجرد جدران متهالكة، بل هي الروح التي إذا غابت، تاه الجسد العربي كله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock