مقالات وآراء

حكومات الشرق الأوسط أدوات أمريكية

بقلم د-حكيمة جعدوني ..قراءة تحليلية

ماذا يجري في الشرق الأوسط اليوم؟

مشاهد التلاعب أوضح مما يُراد لها أن تبدو غامضة. حكومات عميلة في المنطقة تؤدي أدوارا وظيفية داخل مشروع صهيو-إسرائيلي جاهز للتوسّع، مخطط لا يتوقف عند حدود “إسرائيل الكبرى”، بل يتطلّع إلى إعادة تشكيل جيوسياسي للشرق الأوسط والديموغرافيا معا.

الهدف أعمق من الاحتلال والإستغلال؛ الهدف تفريغها من أهلها.

كيف؟ بوسائل متعدّدة، ناعمة حينا، وقاتلة حينا آخر.

تفتح أبواب الهجرة ويزيّن الرحيل منها كأنه خلاص، فتغدو البحار مقابرا، والحروب مطاحنا للبشر، والأوبئة غربالا جماعيا. ثم تأتي بقية الوصفات: شهوات بلا ضوابط، مخدرات وفحش ومثلية وزنا، تفكّك اجتماعي، فقر وجوع، بنيات مكتظّة وهشّة تسقط مع أول ضربة لزلزال، ومدن تغرق مع أول فيضان.

الموت يصبح سياسة، بأشكال مختلفة، والنتيجة: إفراغ الشرق الأوسط من سكانه الأصليين.

وعندما تخلو الأرض، يبدأ الفصل التالي من الرواية: إعادة الاستيطان من طرف الغرب، وهذه المرة تحت أقنعة “التنمية” و“الاستثمار” و“إعادة الإعمار”؛ ولكن في الحقيقة هي أن الشرق الأوسط خزّان مقدّسات، وكنز ثروات طبيعية، وحضارة ضاربة جذورها في التاريخ، وموقع استراتيجي، حتى ليبدو وكأن كل ما يمكن تصوّره وما لا يمكن، حاضر فيها.

وهنا السؤال لم يعد: ماذا يريدون؟ وإنما: ماذا فعلوا، وماذا بقي ليفعلوه، ومن يملك الجرأة على كسر هذا المسار؟

لقد جرى الاتفاق في الغرف المغلقة، ووضع على رأس كل دولة حاكم يؤدي دور الوكيل الأمين على المشروع الصهيو-إسرائيلي. وجعلت الخيانة مهنة إدارية لها راتب من أموال الشعب، والتواطؤ تحوّل إلى سياسة رسمية محمية بالقانون والسلاح، فيما تقدّم الرعايا قرابين باسم “الخلافات الإقليمية”.

باتت تصنّف النزاعات المفتعلة وكأنها صراعات سيادة واستقلال، بينما هي في حقيقتها مسرحية وتمثيلية مدروسة: صدامات سعودية-إيرانية، إمارتية – يمنية، توترات سعودية – إماراتية، حروب على شاكلة ما وقع بين العراق والكويت، وأزمات تتناسل بلا توقف. الغاية واحدة: إشعال ساحات القتال، واستدراج الشعوب والجيوش إلى حروب طاحنة وطويلة الأمد، تستنزف فيها الطاقات وتباد أجيال كاملة.

الأعراب في هذا المشروع وقود وحجارة تقذف في أتون المعارك، أو فحم يزيد اللهيب اشتعالا، بينما يجلس صنّاع الفتنة مع الخونة والعملاء على فضاء الطاولات يتبادلون المصالح والضمانات. ومع ذلك، كلّما أوقدت فتنة، أطفأها الإله، وبقيت الحقيقة أكثر صلابة من كل المؤامرات والمخطّطات.

الحكومات الأعرابية في السعودية والإمارات وإيران، تؤدي الدور الأخطر في هذا المشروع؛ فهي العامل الحاسم في استنزاف رعاياها، تمهيدا لتمكين دول أخرى من السيطرة السهلة على صحراء الجزيرة العربية الكبرى وأرض فارس.

لماذا يريدون الاستيلاء عليها كلها؟

الذي يخططون له عبر تغيير ثلاث محاور رئيسية:

تغيير الدين فيها كليّا؛ فبدل الدين الإسلامي يتحوّل إلى دين يهودي ونصراني.

استبدال الثقافة الإسلامية الربّانية بالعلمانية.

استبدال اللغة العربية من اللهجات المحلّية إلى لغات الوافدين الأجنبية.

استبدال اللباس المحتشم والتحفّظ بلباس عار واختلاط كلّي، وهو ما يعمل عليه حاكم السعودية حاليا.

استبدال الأعراب بأجانب أمريكيين وأوروبيين ويهود.

ومع مرور الزمن ينقرض الوجود الأعرابي تماما، فتمحى الهوية كليّا، وتمسخ هذه المنطقة العربية بأكملها من أهلها الأصليين، كما حدث للهنود الحمر حين استولت أمريكا على القارة الأمريكية الشمالية.

التمويل يتدفّق، والأسلحة توزّع، الجنود يدفع بهم أفواجا أفواج إلى الميدان، والناس تستدرج إلى قتل بعضها بعضا، بينما العدو الحقيقي يراقب من بعيد.

وعندما تنقلب الأوطان إلى خرائب، وتفرغ المدن من أبناءها، ويترك فيها الأطفال والعجزة والنساء، يبدأ الفصل الأخير من المشروع الصهيو-إسرائيلي: دخول الصهاينة والأمريكان كـ “منقذين” و“معمّرين”. لتبنى الدول وفق المقاس الجديد، كما حدث في أرض فلسطين، وكما يخطّط لتكراره في أكثر من بقعة من الشرق الأوسط، كون الأعراب أغبياء ولا يتّعظون ولا ينتفضون.

دم أعرابي، بسلاح مموّل، وبقرار وظيفي، لمصلحة مشروع تتكشّف حقيقته لمن يقرأ ما وراء حركة الساسة، ويدرك من يستخدم ومن يُستخدم. ثم إن الفتن والحروب الأهلية في المنطقة الوقود الأثمن للاستعمار الحديث، والوعي هو السلاح الأول، ورفض الانجرار إلى نزاعات داخلية هو خطّ الدفاع الأخير. السلاح حين يرفع، فوجهته يجب أن تكون نحو العدو التقليدي: اليهود والنصارى والمجوس، وليس بين بني جلدتكم يا حمير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock